في تقرير حديث أصدره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، وُضعت الجزائر أمام خيارين لا ثالث لهما بشأن نزاع الصحراء المغربية: إما الانخراط الفعلي في المسار السياسي نحو الحل، أو المضي قدمًا نحو عزلة دبلوماسية متزايدة. التقرير جاء في وقت يتزايد فيه الزخم الدولي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، ويشير إلى تحول جذري في المواقف الدولية حيال هذا الملف الشائك.
ووفق التقرير، فإن المملكة المغربية الشريفة حققت اختراقات دبلوماسية مهمة، حظيت فيها بدعم قوى فاعلة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد الأوروبي، ودول عربية وإفريقية، ما يعكس شبه إجماع دولي على عدالة المبادرة المغربية ومصداقيتها. ويرى المعهد أن هذا الإجماع لا يترك مجالاً للمناورات السياسية، ويضغط بشكل متزايد على الجزائر لمراجعة مواقفها الجامدة.

وأكد التقرير أن الولايات المتحدة الأمريكية حسمت موقفها بشكل واضح ونهائي، عندما جددت دعمها للوحدة الترابية للمغرب واعتبرت الحكم الذاتي أساسًا واقعياً وجدياً للحل، داعية الجزائر إلى الانخراط في العملية السياسية كطرف رئيس، وليس كفاعل محايد كما تحاول أن تُظهر نفسها.
ولا تزال الجزائر تتشبث بخطاب سياسي تقليدي، مستند إلى أدبيات “عدم الانحياز”، في وقت أصبح فيه هذا الموقف محل شك واسع، بسبب دعمها المعلن لجبهة البوليساريو، سواء سياسياً أو لوجستياً. هذا الدعم، كما يرى التقرير، يمثل عائقًا رئيسيًا أمام أي تقدم نحو تسوية النزاع.
وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية، يشير التقرير إلى أن الجزائر باتت بحاجة ماسة لإعادة تموقعها الدبلوماسي والاستراتيجي، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها داخلياً وخارجياً. كما أشار إلى ضرورة أن تسعى الجزائر لتطوير علاقات براغماتية مع الولايات المتحدة والدول الغربية، بدل التمسك بمواقف متصلبة قد تكلفها عزلة سياسية غير مسبوقة.
ويخلص المعهد إلى أن الجزائر تقف اليوم أمام لحظة حاسمة، إذ لم يعد بالإمكان استمرار سياسة المراوحة والمناورة. إما اتخاذ موقف مسؤول يفتح الباب أمام تسوية سياسية عادلة ودائمة، أو الاستمرار في خيار المكابرة، ما من شأنه أن يفاقم من عزلتها ويقلل من فرصها في التأثير الإقليمي والدولي.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الكرة الآن في ملعب الجزائر. فالمجتمع الدولي قد رسم ملامح الحل، ولم يعد يتسامح مع استمرار النزاع المفتعل، والرهان الأكبر اليوم هو: هل ستلتقط الجزائر إشارات التغيير، أم ستراهن على سياسة المواجهة حتى النهاية؟
لا تقف التحديات التي تواجه الجزائر عند حدود السياسة الخارجية فقط، بل إن الواقع الداخلي المتأزم يشكل هو الآخر عامل ضغط متزايد على صانع القرار. من ارتفاع نسب البطالة وتراجع مؤشرات النمو الاقتصادي، إلى احتجاجات اجتماعية متفرقة تطالب بالإصلاح والانفتاح، يجد النظام الجزائري نفسه محاطًا بتحديات تتطلب رؤية جديدة أكثر براغماتية وواقعية.
وفي هذا السياق، يشير تقرير معهد واشنطن إلى أن الاستمرار في استنزاف الموارد لدعم جبهة انفصالية لا طائل من ورائها في نزاع بات المجتمع الدولي يعتبره محسومًا، لن يخدم مصالح الشعب الجزائري، بل يزيد من الاحتقان الداخلي ويشتت الجهود التي يفترض أن توجَّه نحو التنمية والاستقرار.
إضافة إلى الضغوط الداخلية، فإن التغيرات الإقليمية والدولية لم تعد تسمح بالحياد السلبي أو اللعب على الحبال الدبلوماسية. فعدّة دول إفريقية تراجعت عن اعترافها بالجمهورية الوهمية، وبعضها فتح قنصليات في مدن الصحراء المغربية، في رسالة واضحة بأن الزمن تغير، وأن من يراهن على الجمود أو سياسة الأمر الواقع يجد نفسه خارج حسابات المستقبل.
كما أن التقارب المغربي الأمريكي، والعلاقات المتينة التي نسجها المغرب مع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج، وبعض دول إفريقيا جعلت الرباط شريكًا موثوقًا في قضايا الأمن والهجرة والطاقة، وهي ملفات حيوية تجعل من موقف الجزائر الرافض للحل السياسي أشبه بمغامرة محفوفة بالمخاطر.
إن الجزائر اليوم أمام فرصة تاريخية لتجاوز إرث المواجهة وفتح صفحة جديدة في علاقتها بالمغرب والمنطقة ككل. فالحل العادل والدائم لنزاع الصحراء لا يمكن أن يتحقق بدون انخراطها الصريح والفعّال، ليس فقط كطرف إقليمي مؤثر، بل أيضًا كدولة تسعى لتأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
إن التحولات الجيوسياسية لا تنتظر المترددين، والمجتمع الدولي أضحى أكثر وضوحًا في مطالبه، وأكثر حسمًا في مواقفه. وبذلك، لم يعد من المجدي الإصرار على مقاربات عفا عنها الزمن. فإما أن تواكب الجزائر روح العصر، أو أن تستعد لتكلفة سياسية ودبلوماسية متزايدة.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستختار الجزائر طريق التعاون والحلول الواقعية، أم أنها ستبقى أسيرة خطاب أيديولوجي تجاوزه الزمن؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.وما على الجارة الشرقية إلا الانحناء صاغرة مطأطأة الرأس أمام عظمة المملكة المغربية الشريفة صانعة استقلال الجارة الشرقية .










