هاشــم الخياطي
في تصريح مثير للجدل، أقر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بأن بلاده أنفقت مليارات الدولارات على جبهة البوليساريو خلال العقود الماضية، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول جدوى هذا الدعم الذي لم يحقق أي مكاسب سياسية أو ميدانية تذكر.
هذا الاعتراف العلني أعاد فتح النقاش داخل الأوساط السياسية والإعلامية حول حقيقة الدور الذي تلعبه الجبهة في خدمة المصالح الجزائرية، خاصة وأنها ظلت عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الجزائري، الذي يواجه أصلاً أزمات متلاحقة بسبب السياسات الاقتصادية المرتبكة وتراجع عائدات النفط والغاز.
ويرى مراقبون أن تصريحات تبون قد تكون تمهيداً لتغيير جذري في الموقف الجزائري من ملف الصحراء، وربما محاولة للتنصل تدريجياً من التبعات المالية والسياسية المرتبطة بالبوليساريو، خصوصاً بعد فشلها في تحقيق أي اختراق دبلوماسي أو ميداني لصالح أطروحتها الانفصالية منذ تأسيسها.
في المقابل، يعتبر محللون آخرون أن تبون يسعى من خلال هذا التصريح إلى تبرير السياسات الخارجية المكلفة لنظامه أمام الرأي العام الداخلي، الذي بات يطالب بمحاسبة المسؤولين عن إهدار مليارات الدولارات في مشروع لا أفق له، على حساب التنمية والرفاه الاجتماعي للمواطن الجزائري.
ومع تزايد الضغوط الدولية والإقليمية، يبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل يفكر تبون فعلاً في التخلص من الجبهة وإنهاء عقود من الإنفاق بلا طائل، أم أن هذا الاعتراف مجرد مناورة سياسية لامتصاص غضب الداخل وإعادة ترتيب الأوراق في الخارج؟
ويذهب بعض المراقبين إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن الاعتراف الضمني من تبون يعكس بداية تحولات في الموقف الرسمي الجزائري، بعدما باتت الجبهة عبئاً ثقيلاً سياسياً ومالياً، خصوصاً في ظل تزايد عزلتها الدولية وتراجع الدعم الذي كانت تتلقاه في عدد من المحافل الإقليمية والدولية.
كما أن التقارير الصادرة عن منظمات دولية وإنسانية كشفت عن سوء إدارة المساعدات المالية التي ضختها الجزائر على مدى سنوات طويلة في مخيمات تندوف، حيث اتهمت البوليساريو مراراً بتبديد الأموال وتحويل جزء منها إلى أنشطة مشبوهة، ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة للنظام الجزائري.
ويرى خبراء أن استمرار إنفاق مليارات الدولارات على جبهة لم تقدم أي مكاسب استراتيجية يضع النظام الجزائري أمام خيارين أحلاهما مر: إما المضي قدماً في تمويلها مع تحمل المزيد من الخسائر الاقتصادية والسياسية، أو التراجع عن هذا الدعم بما يعنيه من اعتراف ضمني بفشل رهانات عقود من الزمن.
وفي ظل هذه التطورات، يترقب المتابعون خطوات تبون المقبلة لمعرفة ما إذا كان هذا التصريح مجرد بالون اختبار لقياس ردود الفعل الداخلية والخارجية، أم أنه إشارة حقيقية إلى بداية نهاية الدعم الجزائري غير المشروط للبوليساريو، في وقت تتجه فيه المنطقة نحو تحولات كبرى قد تعيد رسم خريطة التحالفات والمواقف في ملف الصحراء المغربية.









