سلّم مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون، يوم الجمعة، نفسه إلى السلطات الأمريكية، بعد توجيه اتهامات خطيرة إليه تتعلق بالاحتفاظ بمعلومات سرية في منزله ومشاركتها مع مقربين منه. خطوةٌ وُصفت في الأوساط السياسية بأنها زلزال جديد في أروقة واشنطن، بالنظر إلى شخصية بولتون المثيرة للجدل وموقعه السابق في قلب القرار الأمني الأمريكي.
ووفق ما أوردت وكالات أنباء أمريكية، فإن بولتون يواجه ثماني تهم تتعلق بنقل معلومات سرية وعشر تهم أخرى تتصل بالاحتفاظ غير القانوني بوثائق رسمية. وبذلك يصبح ثالث خصم سياسي للرئيس السابق دونالد ترامب يُوجه إليه الاتهام خلال أقل من شهر، في مؤشر على توسع رقعة الملاحقات القانونية في المشهد الأمريكي.
وتشير لائحة الاتهام إلى أن بولتون شارك معلومات استخباراتية حساسة مع اثنين من أقاربه – يُعتقد أنهما زوجته وابنته – بهدف استخدامها في كتابٍ كان يعتزم نشره. وتشمل المواد المسربة ملاحظاتٍ من اجتماعات مغلقة مع كبار المسؤولين الأمريكيين وقادة أجانب، إضافة إلى إيجازات استخباراتية حول قضايا الأمن القومي.
وكشفت التحقيقات أن أحد محامي بولتون أبلغ مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) سنة 2021 بأن رسائل البريد الإلكتروني لموكله تعرّضت للاختراق، غير أنه لم يُفصح حينها عن تورط بولتون نفسه في تمرير المعلومات السرية عبر حسابه الإلكتروني، أو عن احتمال تسرب أسرار حكومية حساسة إلى جهات خارجية.
ويُعدّ جون بولتون من أبرز رموز المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، واشتهر بمواقفه المتشددة في السياسة الخارجية، لاسيما تجاه الشرق الأوسط. غير أن اللافت في مساره السياسي هو دعمه العلني لجبهة “البوليساريو” الانفصالية، إذ مثّل لسنوات الصوت المحافظ الوحيد في واشنطن الذي دافع عن أطروحتها المعادية للوحدة الترابية للمغرب.
فقد سبق لبولتون أن اشتغل على ملف الصحراء المغربية حين كان مساعداً للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة جيمس بيكر، حيث تبنى مواقف منحازة للطرح الانفصالي، محاولاً الدفع بمقاربة تتنافى مع مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب كحل سياسي واقعي.
اليوم، يجد بولتون نفسه في مواجهة قضية جنائية قد تضع مستقبله السياسي على المحك، وتضيف إلى سجله الطويل من الجدل والاصطفافات الحادة، فالرجل الذي حاول مراراً تقديم نفسه كمدافع عن “القيم الديمقراطية الأمريكية” بات يواجه تهمًا تمس أحد أعمدة الدولة نفسها: سرية الأمن القومي.
ويبدو أن هذه القضية لن تكون مجرد ملف قانوني معزول، بل قد تفتح الباب أمام إعادة تقييم دور بعض الشخصيات النافذة في تسريب المعلومات الحساسة وتوظيفها لأغراض سياسية أو شخصية، في وقتٍ تشهد فيه واشنطن تصاعداً غير مسبوق في الصراعات داخل النخبة الحاكمة.









