في خطوة أثارت جدلاً داخل الوسط الإعلامي، أعلنت النقابة الوطنية للصحافة المغربية عن إحداث “قطب المقاولات الناشئة” ضمن هيكلها التنظيمي، تنفيذًا لقرارات مجلسها الوطني الثالث المنعقد في فاتح نونبر 2025 بالعاصمة الرباط. القرار، الذي وصفته النقابة بأنه استجابة لمبادرات عدد من الصحافيات والصحافيين الذين اختاروا تأسيس مقاولاتهم الإعلامية الخاصة، يُطرح اليوم كتحوّل لافت في طبيعة وأدوار النقابة، التي وُجدت أساسًا للدفاع عن حقوق الصحافيين العاملين وليس عن المؤسسات التي تشغلهم
فمن زاوية نقدية، يثير هذا التوجه سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لنقابة أن تجمع بين الدفاع عن الصحافيين وبين تبنّي مصالح المقاولات الإعلامية التي قد تكون طرفاً في نزاعات الشغل أو في خروقات مهنية ضد هؤلاء الصحافيين؟ أليس في ذلك خلط للأدوار قد يضعف استقلالية النقابة ويُفقدها وظيفتها الأصلية كإطار مهني مدافع عن الشغيلة الصحفية؟ صحيح أن النقابة تسوّغ إنشاء هذا القطب الجديد باعتباره دعماً للمبادرات الشابة ومواكبة للتحول الرقمي، غير أن هذا التبرير لا يُخفي المفارقة القائمة بين منطق “التمثيل النقابي” ومنطق “الاستثمار المقاولاتي“.
فالصحافي الذي يصبح ربّ عمل داخل مؤسسة إعلامية قد يتحول من طرف يُطالب بالحقوق إلى طرف يمارس سلطة الشغل، مما يجعل الجمع بين الصفتين داخل نفس الإطار التنظيمي أمراً إشكالياً من حيث الأخلاق المهنية والتوازن النقابي. إنّ النقابة الوطنية للصحافة المغربية، وهي تدخل مجال “تأطير المقاولات” و”الدفاع عن حقها في المنافسة”، تبدو وكأنها تنتقل من منطق الدفاع عن الأجير إلى منطق الدفاع عن المشغّل، وهو تحول يستدعي نقاشاً عمومياً داخل الجسم الصحفي حول حدود أدوار النقابة، وضمان ألا تتحول إلى مؤسسة مزدوجة الهوية: نصفها نقابي ونصفها اقتصادي.
فالنقابة التي قامت تاريخيًا على حماية الصحافيين والدفاع عن حقوقهم المهنية والاجتماعية، تجد نفسها اليوم تُدخل إلى بنيتها طرفًا آخر كان — إلى الأمس القريب — في خانة “المشغّل” لا “المناضل”. فهل يمكن لمؤسسة نقابية أن توفّق بين مسارين متناقضين: حماية الأجير، ودعم صاحب المؤسسة الذي قد يكون خصمه في لحظة نزاع شغلي؟
هذا التحوّل لا يمرّ دون إثارة جدل مشروع:
هل نحن أمام تطوير طبيعي لأدوار النقابة بما ينسجم مع واقع إعلامي متغيّر؟ أم أمام انزياح خطير قد يفرغ العمل النقابي من جوهره؟
النقابة تسوّغ خطوتها بأنها استجابة لمبادرات الصحافيين الذين اختاروا تأسيس منصّاتهم الإعلامية، وبأنها تساند الابتكار وتدعم الريادة الإعلامية. غير أن هذا التبرير يصطدم بمفارقة واضحة: الصحافي ـ المقاول ليس الصحافي ـ الأجير. الأول ربّ عمل، والثاني تابع في علاقة الشغل. فكيف تجمعهما النقابة تحت سقف واحد دون أن يختل ميزان المصالح؟
الأدهى من ذلك أن دخول النقابة مجال “تأطير المقاولات” و”الدفاع عن حقها في المنافسة” قد يفتح الباب أمام تحول وظيفي خطير: من نقابة للدفاع عن المهنيين إلى هيئة أقرب إلى غرفة مهنية تمثل الفاعلين الاقتصاديين. هنا يصبح الخلط في الأدوار أكثر من مجرد سوء تقدير… يتحول إلى تهديد لاستقلالية النقابة نفسها.
إن المشهد الإعلامي المغربي يحتاج بالفعل إلى مبادرات تدعم الابتكار، لكنه يحتاج أكثر إلى نقابة قوية تحمي الصحافيين من الهشاشة ومن تعسف بعض المقاولات، لا إلى نقابة تتقاطع أجندتها مع أولئك الذين يفترض أن تراقب أداءهم المهني والاجتماعي.
ختاما، لا يتعلق النقاش برفض التطوير أو معاداة المبادرة، بل بطرح سؤال ضروري:
كيف يمكن للنقابة أن تواكب التحولات دون أن تفقد هويتها ودورها الأصلي؟
ذلك هو التحدي الحقيقي، وتلك هي المعركة التي يجب أن تُدار داخل الجسم الإعلامي قبل أن يصبح “اللبس التنظيمي” واقعًا يصعب تداركه.وبذلك تفقد النقابة دورها الدفاعي ومنخرطيها وقطب مقاولاتها المحدثة .










