الدكتور أبو الشتاء الجامعي
تتجه العلاقات الجزائرية-الفرنسية، وفق قراءات خبراء وسياسيين جزائريين، نحو منعطف بالغ الخطورة قد يفضي إلى ما يشبه “نقطة اللاعودة”، في ظل تصاعد التوتر السياسي والدبلوماسي بين البلدين، وتراكم ملفات خلافية تُدار اليوم بمنطق التصعيد بدل الاحتواء. وأمام هذا الوضع المقلق، برزت دعوات صريحة لإشراك رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان في مسعى عاجل لإعادة فتح قنوات الحوار ومنع الانزلاق نحو قطيعة مفتوحة.
ويرى المتابعون أن القانون الجزائري الأخير المتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي شكّل محطة مفصلية في مسار العلاقة الثنائية، إذ نقلها من وضع “التوتر القابل للتدبير” إلى مرحلة أكثر حدّة، عنوانها الردود المتبادلة والعقاب السياسي. وبحسبهم، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في القانون في حد ذاته، بل في السياق العام الذي يُوظَّف فيه، حيث تتحول ملفات الذاكرة، والتأشيرات، والهجرة، والأمن، وأوضاع مزدوجي الجنسية إلى أوراق ضغط متبادلة.
وحذّر هؤلاء من أن إدارة العلاقة بمنطق العقوبة قد تفتح الباب أمام حوادث دبلوماسية أو حتى أمنية يتم استغلالها سياسيًا من الطرفين، ما قد يجعل أي مبادرة تهدئة لاحقة عديمة الجدوى. فالمسألة، في تقديرهم، لم تعد خلافًا ظرفيًا، بل تهديدًا بتحوّل الشك وانعدام الثقة إلى بنية دائمة تحكم العلاقة، بما يعني إغلاق القنوات غير المعلنة والتعاون العملي، والدخول في دوامة تصعيد يصعب كبحها.
وبخصوص قانون تجريم الاستعمار، عبّر الخبراء عن تفهّمهم للدوافع السياسية التي تقف خلفه، خاصة ما يتعلق بالمطالبة باعتراف فرنسي واضح بجرائم الحقبة الاستعمارية. غير أنهم شددوا في المقابل على أن “تجريم التاريخ” يظل سابقة خطيرة، لأن الذاكرة الجماعية، في نظرهم، تُبنى بالأرشيف والبحث العلمي والنقاش الحر، لا بالعقوبات الجزائية. وأكدوا أن إدخال القانون الجنائي إلى مجال التاريخ قد يؤدي إلى تكميم البحث الأكاديمي وتجميد النقاش بدل كشف الحقيقة.
ومن زاوية القانون الدولي، اعتبروا أن التشريع الجزائري لا يترتب عنه أثر مباشر أو إلزامي على فرنسا، لكنه يحمل وزنًا سياسيًا وأخلاقيًا يمكن توظيفه في المحافل الدولية، خصوصًا داخل الأمم المتحدة، بما قد يرفع منسوب التوتر ويغذّي منطق التصعيد بدل البحث عن حلول توافقية. وفي هذا السياق، شددوا على أن اعتراف فرنسا بجرائمها الاستعمارية يجب أن يظل قرارًا سياديًا داخليًا نابعًا من قناعة سياسية وأخلاقية، لا نتيجة ضغط خارجي، لأن الاعتراف الحقيقي، بحسبهم، هو فعل احترام للذات ولمبادئ الجمهورية الفرنسية نفسها.
واعتبر المتدخلون أن أخطر ما خلّفته فرنسا خلال الحقبة الاستعمارية هو نظام “المواطنة ذات المستويات”، الذي كرس التمييز القانوني والمؤسساتي في تناقض صارخ مع القيم الكونية التي ترفعها الجمهورية الفرنسية. ومن هذا المنطلق، دعوا إلى خطوات عملية وفورية لاحتواء الأزمة، أبرزها إعادة تفعيل قناة سياسية سرية ومستقرة لمعالجة الملفات القابلة للانفجار بعيدًا عن الأضواء الإعلامية، وتحييد ملفات التأشيرات وتنقّل الطلبة والباحثين ورجال الأعمال والعائلات عن التجاذبات السياسية.
كما اقترحوا إنشاء آلية تقنية ثنائية لمعالجة قضايا الترحيل والملفات القنصلية العالقة وفق رزنامة واضحة ومعايير شفافة، معتبرين أن فتح الأرشيف الاستعماري يجب أن يكون المدخل الحقيقي لأي مسار مصالحة جاد، عبر تحديد جدول زمني لرفع السرية، وإطلاق برامج رقمنة، وتشكيل فرق بحث مشتركة مع ضمان استقلالية المؤرخين عن السلطة السياسية.









