في أعقاب نهائي كأس أمم إفريقيا، انفجرت موجة من الغضب في الأوساط الرياضية المغربية، وامتلأت منصات التواصل الاجتماعي بعبارات قوية من قبيل “سرقة الكأس” و”الظلم التحكيمي”. كثيرون رأوا أن المنتخب المغربي كان ضحية قرارات مثيرة للجدل غيّرت مسار المباراة، فيما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، متحدثين عن “مؤامرة” دُبرت ضد أسود الأطلس. وبين هذا وذاك، يبرز سؤال جوهري: هل ما وقع يدخل في خانة الأخطاء التحكيمية المعتادة في كرة القدم، أم أن الأمر يتجاوز ذلك؟
لم تنتهِ فصول نهائي كأس أمم أفريقيا بين المغرب والسنغال بصافرة الحكم، بل انتقلت المعركة من العشب الأخضر إلى دهاليز اللجان القانونية في الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف).ورغم تتويج منتخب السنغال باللقب ميدانياً بعد الفوز 1-صفر على المغرب، إلا أن كواليس الأحداث المؤسفة والمثيرة التي شهدتها المباراة النهائية كشفت عن أزمة قانونية معقدة يقودها الاتحاد المغربي لكرة القدم لمحاصرة الجانب السنغالي، في ظل مشهد انسحاب أربك حسابات رئيس الكاف باتريس موتسيبي ورئيس الفيفا جياني إنفانتينو، ووضعهما في موقف محرج وهما على بعد أمتار من الأحداث التي أصبحت حديث العالم.
لا خلاف أن المباريات النهائية في البطولات الكبرى تكون مشحونة بالتوتر والضغوط، وهو ما يجعل قرارات الحكم تحت المجهر. في نهائي البطولة، أثارت بعض اللقطات التحكيمية نقاشاً واسعاً، خاصة ما تعلق بركلات الجزاء المحتملة، وحالات التسلل، وبعض البطاقات الصفراء والحمراء مغادرة الفريق السنغالي أرضية الملعب لمدة 17 دقيقة أو أكثر وعودته لاستئناف اللعب دون أي إنظار من الحكم الأمر الذي اعتبره الرياضيون تساهلا غير مبرر أو تحت ضغط جهة ما. ومع وجود تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، ارتفعت سقوف التوقعات بخصوص “العدالة التحكيمية”، لكن الجدل لم يغب رغم ذلك.
تاريخ كرة القدم، سواء في إفريقيا أو عالمياً، مليء بحالات تحكيمية أثارت الشكوك والاحتجاجات. غير أن الانتقال من انتقاد أداء حكم مباراة إلى تبني فرضية “المؤامرة” يتطلب معطيات موثقة وأدلة دامغة، وهو ما ظهر بشكل رسمي في التصريحات وفي الكواليس الرياضية ، فالهيئات المنظمة، وعلى رأسها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، عادة ما تفتح تقييمات تقنية داخلية لأداء الحكام، وقد تعترف أحياناً بوجود أخطاء بشرية، لكنها نادراً ما تتغاضى نوايا مبيتة ،فتم إصدار أحكاما غير منطقية على بعض لاعبي المنتخب المغربي وهو ما زاد في الطين بلة كما يقولون .
في المقابل، لا يمكن إنكار أن الشعور بالمرارة كان جماعياً، وأن الأداء القتالي للمنتخب المغربي طوال البطولة رفع سقف الآمال لدى الجماهير. فالمغاربة الذين ذاقوا طعم الإنجاز التاريخي في كأس العالم 2022، حين بلغ المنتخب نصف النهائي في إنجاز غير مسبوق عربياً وإفريقياً، أصبحوا أكثر ثقة في قدرة منتخبهم على حصد الألقاب. لذلك، جاء الإحساس بالخسارة مضاعفاً حين شعر كثيرون بأن التفاصيل الكبيرة والصغيرة – وربما القرارات التحكيمية الجائرة – لعبت دوراً حاسماً .
الحديث عن “سرقة” يفترض وجود فعل متعمد ومنظم، وهو ما يتطلب مساراً قانونياً وتحقيقاً مؤسساتياً، لا مجرد انطباعات أو تحليلات إعلامية. أما الأخطاء التحكيمية، فهي – كانت صادمة ومؤلمة – جزء من اللعبة، وقد طالت مقابلة المغرب والسنغال و أن ما حدث يمثل انتكاسة كبيرة للكرة الأفريقية. ووضع “أسود التيرانغا” في قفص الاتهام ومحاصرتها من خلال 4 زوايا رئيسية كالتالي:
ــ المادة 148: تثبيت “السلوك غير الرياضي” بمجرد مغادرة الملعب، بغض النظر عن العودة.
ــ المادة 133: اعتبار الواقعة “تشويها لسمعة اللعبة” أمام أنظار العالم والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). ويُكيف مشهد خلو الملعب من أحد الفريقين في وجود رئيس الفيفا جياني إنفانتينو ورئيس الكاف موتسيبي قانونيا كضرر جسيم بالعلامة التجارية للبطولة. وسيضغط المغرب بأن التهاون في العقوبة هو “ضوء أخضر” لتكرار الفوضى، مما يهدد الاستثمار وحقوق الرعاية مستقبلا.
ــ الملف الأمني: تكييف الانسحاب كـ”تحريض” هدد سلامة الجماهير والمنظمين. يُعتبر الانسحاب في نهائي قاري، وسط 60 ألف مشجع متحمس، قانونيا سلوكا “عالي الخطورة” (High Risk Behavior) قد يؤدي لكوارث أو شغب جماهيري لا يمكن التحكم فيه .
في نهاية المطاف، يبقى الأهم هو الحفاظ على الثقة في مسار تطور الكرة المغربية، ومواصلة البناء على المكتسبات التقنية والبشرية التي تحققت في السنوات الأخيرة. فمنتخب وصل إلى أدوار متقدمة قارياً وعالمياً، يمتلك من المقومات ما يجعله قادراً على العودة أقوى، شرط أن يتحول الغضب إلى دافع إيجابي، لا إلى قناعة راسخة بوجود “مؤامرة” قد تزرع الإحباط بدل الطموح.
لقد كان العالم شاهداً على مباراة مثيرة للجدل، نعم. لكن بين الإحساس بالظلم والحديث عن التآمر، وتبقى كرة القدم المغربية لعبة تفاصيل… قد تبتسم أحياناً، وقد تُدير ظهرها أحياناً أخرى.










