
الخياطــي هاشــم
يشهد قطاع التعليم الخصوصي بالمغرب توتراً متزايداً بين آباء وأولياء التلاميذ من جهة، وأرباب المؤسسات الخاصة مدعومين بسياسات الدولة من جهة أخرى، في ظل تزايد الشكاوى المرتبطة بارتفاع التكاليف وتراجع جودة الخدمات التربوية في عدد من هذه المؤسسات.
هذا الواقع المتأزم دفع إلى اتساع رقعة الاحتجاجات، وتنوع أشكالها، من مقاطعات للأداءات إلى بيانات تنديد، ما أعاد إلى الواجهة نقاشاً عمومياً حول جدوى التعليم الخصوصي، ومبررات توسعه، وحدود دوره داخل المنظومة التعليمية الوطنية.
في المقابل، يُوجَّه انتقاد واسع للسياسات العمومية التي يُنظر إليها على أنها ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إضعاف التعليم العمومي، مقابل تعزيز حضور القطاع الخاص. فقد رافقت هذه السياسات تقارير ودراسات رسمية اعتبرت المدرسة العمومية عاجزة عن أداء وظائفها التربوية، محمّلة إياها مسؤولية اختلالات بنيوية، ومقدمة التعليم الخصوصي كبديل قادر على تحسين الجودة ومعالجة الأعطاب.
غير أن عدداً من الفاعلين التربويين يرون أن هذا التوجه لا يعكس فقط اجتهاداً وطنياً، بل يرتبط أيضاً بسياق دولي أوسع، يتجه نحو تقليص دور الدولة الاجتماعي، وفتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في الخدمات الأساسية، ومنها التعليم والصحة، في إطار منطق السوق والربح.
ويُعد توقيع الاتفاقية العامة حول تجارة الخدمات سنة 1994 بمراكش محطة مفصلية في هذا المسار، حيث تم التعامل مع الخدمات العمومية باعتبارها مجالات قابلة للاستثمار والتفويت، ما فتح الباب تدريجياً أمام تسريع وتيرة خوصصة التعليم.
وتجسد هذا التوجه في سلسلة من الإصلاحات والبرامج، من بينها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والبرنامج الاستعجالي (2009-2012)، والرؤية الاستراتيجية (2015-2030)، ثم القانون الإطار 17-51، وصولاً إلى تقرير النموذج التنموي الجديد، حيث تعزز حضور القطاع الخاص بشكل متنامٍ داخل المنظومة التعليمية.
ولم تقتصر الخوصصة على تفويت المؤسسات التعليمية، بل شملت أيضاً نقل عدد من الخدمات والاختصاصات إلى فاعلين خواص، مثل الحراسة، والإطعام، والصيانة، إلى جانب اعتماد أساليب تدبير مستوحاة من عالم المقاولات، وإشراك القطاع الخاص في تسيير بعض المؤسسات العمومية.
كما حظي التعليم الخصوصي بحزمة من التحفيزات والدعم، من إعفاءات ضريبية وجمركية، إلى تسهيلات عقارية وتمويلية، فضلاً عن شراكات مباشرة مع الدولة، ما ساهم في توسعه السريع خلال السنوات الأخيرة.
وتُظهر معطيات وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة أن عدد التلاميذ المتمدرسين بالقطاع الخصوصي تجاوز 1.26 مليون تلميذ خلال الموسم الدراسي 2025-2026، أي ما يقارب 15 في المائة من مجموع المتمدرسين. كما تُقدَّر نسبة التمدرس في التعليم الابتدائي الخصوصي بما بين 17 و19 في المائة، مقابل ما بين 13 و15 في المائة في التعليم الثانوي الإعدادي، وهي مؤشرات تؤكد المنحى التصاعدي لهذا القطاع في مقابل تراجع جاذبية المدرسة العمومية.
في ظل هذه المعطيات، يظل السؤال المطروح بإلحاح: هل يشكل التعليم الخصوصي حلاً فعلياً لأزمة المنظومة التعليمية، أم أنه يعمق الفوارق الاجتماعية ويكرس منطق التعليم كسلعة بدل كونه حقاً أساسياً؟









