هاشــم الخياطــي
هناك لحظة تصبح فيها كرة القدم أكبر من مجرد 90 دقيقة، وأخطر من مجرد بطولة أو كأس أو مواعيد في روزنامة «فيفا». لحظة يصبح فيها السؤال الحقيقي ليس من سيرفع الكأس، وإنما من يملك اللعبة، ومن يقرر مستقبلها، ومن يضع يده على ملياراتها.
وإذا صحت التقارير المتداولة بشأن رغبة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، في إنشاء شركة تابعة لـ«فيفا» بقيمة تناهز 20 مليار دولار، وفتح أكثر من 20 في المائة من أسهمها أمام مستثمرين من القطاع الخاص، فإن كرة القدم العالمية تكون أمام منعطف لا يتعلق بالاستثمار وحده، بل بمستقبل استقلال القرار الرياضي نفسه.
فأن تتحول مؤسسة تدير اللعبة الأكثر شعبية في العالم إلى فضاء مفتوح أمام أصحاب رؤوس الأموال ليس مجرد عملية مالية يمكن تمريرها بلغة الأرقام الباردة. إنها مسألة تستحق أن تُطرح أمام الاتحادات والجماهير واللاعبين، لأن من يملك المال لا يكتفي عادة بالنظر إلى الملعب من المدرجات، بل يبحث عاجلاً أم آجلاً عن مقعد في غرفة القرار.
والأكثر إثارة أن أوروبا، التي لطالما كانت شريكاً أساسياً في صناعة القوة الاقتصادية والجماهيرية لكرة القدم العالمية، لم تكتف، وفق التقارير، بالتعبير عن القلق. لقد بدأ الحديث عن المقاطعة.
وهنا ينبغي التوقف.
مقاطعة كأس العالم ليست تفصيلاً عابراً، ولا ورقة احتجاجية تُرفع ثم تُطوى. إنها قنبلة سياسية ورياضية، لأن غياب المنتخبات الأوروبية عن المونديال سيعني عملياً ضرب جزء أساسي من القيمة الرياضية والتجارية والجماهيرية للبطولة.
لكن المفارقة الكبرى أن كرة القدم التي تُقدَّم للجمهور باعتبارها لعبة الشعوب، تبدو اليوم مهددة بأن تصبح لعبة الصناديق الاستثمارية. اللاعب يركض، والجمهور يهتف، والمنتخبات تتصارع، بينما يجلس أصحاب المال في مكان آخر لحساب الأرباح وتوزيع الأسهم.
هل هذه هي كرة القدم التي نريد؟
هل يصبح المنتخب الوطني مجرد واجهة في مشروع استثماري ضخم؟ وهل يتحول «فيفا» من مؤسسة رياضية يفترض أن تحكمها اعتبارات اللعبة إلى منصة مالية تتسابق على جذب المستثمرين؟
ثم هناك سؤال أكثر إحراجاً: لماذا لم تُطرح، بحسب التقارير، هذه الاستراتيجية خلال الاجتماعات التي جمعت مسؤولي «فيفا» بالاتحادات الوطنية في نيويورك قبيل نهائي كأس العالم؟
إذا كان المشروع مجرد خطة استثمارية عادية، فلماذا كل هذا الغموض؟ وإذا كان مشروعاً استراتيجياً يمكن أن يغير طبيعة العلاقة بين «فيفا» والمال الخاص، فلماذا لا يكون النقاش بشأنه علنياً وشفافاً أمام الاتحادات التي ستتحمل نتائجه؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لكرة القدم ليس أن يدخل المال إليها، فالمال موجود فيها منذ عقود، وإنما أن يصبح المال هو الذي يحدد إلى أين تتجه.
لقد رأينا كيف يمكن للحقوق التلفزيونية أن تتحول إلى سلاح، وكيف يمكن للرعاية التجارية أن تؤثر في روزنامة المنافسات، وكيف أصبحت بعض البطولات تُقاس بحجم عائداتها أكثر مما تُقاس بقيمتها الرياضية. أما فتح الباب أمام مستثمرين لامتلاك حصة في كيان تقدر قيمته بعشرات المليارات، فيطرح سؤالاً أكبر: من يملك المال، هل يملك معه حق التأثير؟
وإذا كانت أوروبا تلوّح فعلاً بالمقاطعة، فإن عليها أيضاً أن تكون صريحة مع جمهورها. فلا يمكن أن ترفع شعار حماية كرة القدم من تغول المال بينما تستفيد في الوقت نفسه من منظومة تجارية هائلة بنت جزءاً من قوتها على الحقوق والرعاية والإعلانات والاستثمارات.
المعركة، إذن، ليست بين «يويفا» و«فيفا» فقط. إنها معركة حول النموذج الذي ستسير عليه كرة القدم في السنوات المقبلة: هل تبقى الرياضة في خدمة الجمهور، أم يصبح الجمهور في خدمة السوق؟
أما إنفانتينو، فعليه أن يدرك أن قيادة «فيفا» ليست شيكاً على بياض، وأن امتلاك السلطة التنظيمية لا يعني امتلاك الحق في إعادة تشكيل اللعبة بعيداً عن شركائها الأساسيين.
فكأس العالم ليست عقاراً معروضاً في مزاد، والمنتخبات ليست أصولاً مالية، والجماهير ليست أرقاماً في تقارير الأرباح. ومن يعتقد أن بالإمكان تحويل اللعبة إلى شركة عملاقة ثم مطالبة الجميع بالتصفيق، قد يكتشف أن الملاعب نفسها يمكن أن تتحول إلى ساحات احتجاج.
وفي السياسة، كما في الرياضة، هناك قاعدة بسيطة: حين يشعر الشركاء بأن القرار يُصنع فوق رؤوسهم، يبدأ التمرد من داخل المؤسسة نفسها.
ولذلك فإن التهديد الأوروبي، إن انتقل من التسريبات إلى قرار رسمي، لن يكون مجرد خلاف حول الأسهم. سيكون إعلاناً بأن زمن القرارات المغلقة ربما بلغ نهايته، وأن مستقبل كرة القدم العالمية لا يمكن أن يُرهن لمعادلات المال وحدها.
وربما تكون الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى «فيفا» اليوم واضحة ولا تحتاج إلى كثير من البلاغة: يمكن للاستثمار أن يمول كرة القدم، لكنه لا ينبغي أن يشتري روحها؛ ويمكن للمليارات أن تدخل الملعب، لكنها لا يجب أن تجلس على مقعد الحكم.
أما إذا حدث العكس، فلن يكون السؤال بعد ذلك: من سيفوز بكأس العالم؟ بل سيكون السؤال الأكثر مرارة: من ربح كرة القدم… ومن باعها؟









