وجهت شخصيات تونسية وازنة من وزراء سابقين ورجال قانون وحقوقيين وإعلاميين رسالة مفتوحة إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أعلنت من خلالها رفضها القاطع لأي تدخل خارجي في الشأن الداخلي التونسي، مؤكدة أن سيادة البلاد واستقلال قرارها السياسي يمثلان خطا أحمر غير قابل للمساومة.
وحملت الرسالة، التي وقّعها عدد من الأسماء البارزة من بينها عميد المحامين والوزير السابق عبد الرزاق الكيلاني، والناشط عز الدين الحزقي، والوزير والبرلماني السابق مبروك كرشيد، وأستاذ الطب والوزير السابق محمد صالح بن عمار، لهجة تصعيدية تجاه ما اعتبرته المعارضة التونسية دعما سياسيا خارجيا للسلطة القائمة بقيادة الرئيس قيس سعيد، التي تتهمها بـ”الانقلاب على مسار الانتقال الديمقراطي وتكريس الحكم الفردي“.
وأكد الموقعون أن العلاقات التاريخية بين الشعبين التونسي والجزائري تظل محل تقدير واحترام، غير أنهم شددوا على ضرورة الفصل بين روابط الأخوة بين الشعوب وبين الخيارات السياسية للأنظمة، معتبرين أن مساندة أي توجه يقيد الحريات ويضعف مؤسسات الدولة لا تخدم مصالح البلدين ولا استقرار المنطقة.
وانتقدت الرسالة ما وصفته بـ”التغطية السياسية الخارجية” التي تمنح دعما للسلطة التونسية في وقت تشهد فيه البلاد، حسب الموقعين، تضييقا على المجال العام وملاحقات طالت سياسيين ومحامين وصحفيين ونشطاء ورجال أعمال بسبب مواقفهم المعارضة.
وأشار أصحاب المبادرة إلى أن عددا من المعتقلين السياسيين يواجهون أحكاما اعتبروها بعيدة عن معايير المحاكمة العادلة، معتبرين أن استمرار هذا الوضع يمثل تراجعا عن المكاسب التي حققتها تونس بعد ثورة 2011، ويهدد أسس دولة القانون والمؤسسات.
وفي المقابل، جددت الشخصيات الموقعة رفضها للإرهاب والتطرف وكل أشكال التهديدات الأمنية، مؤكدة أن الديمقراطية الحقيقية ليست خطرا على استقرار الدول، بل تشكل، وفق تعبيرها، ضمانة لمواجهة التحديات وتعزيز التعاون بين دول المنطقة.
وذكّرت الرسالة القيادة الجزائرية بالتاريخ المشترك بين البلدين وبالتضحيات التي قدمتها الشعوب المغاربية خلال فترة مقاومة الاستعمار، داعية الجزائر إلى دعم خيار المؤسسات والعدالة والحريات، بدل دعم ما وصفته بـ”إطالة عمر أزمة سياسية داخلية“.
واعتبرت المعارضة التونسية أن بناء استقرار مغاربي حقيقي يمر عبر احترام إرادة الشعوب، وضمان استقلال القضاء، وترسيخ التداول السلمي على السلطة، محذرة من أن أي محاولة لفرض منطق النفوذ أو الوصاية لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمات.
وتأتي هذه الرسالة في سياق توتر متصاعد أعقب تصريحات للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون نهاية يوليوز الماضي، أثارت جدلا واسعا في تونس، بعدما تحدث عن استعداده للتدخل لحماية استقرار البلاد، وهي التصريحات التي اعتبرتها أصوات معارضة تونسية مساسا بحساسية السيادة الوطنية ومحاولة لتكريس نفوذ خارجي في القرار الداخلي.
وتكشف هذه المواجهة المفتوحة بين أطراف من المعارضة التونسية والرئاسة الجزائرية عن اتساع دائرة الجدل حول مستقبل العلاقات بين البلدين، بين من يرى في التقارب الأمني والسياسي ضرورة استراتيجية، ومن يعتبر أن أي دعم خارجي للسلطة القائمة على حساب الحريات قد يتحول إلى عامل توتر جديد في المشهد المغاربي.









