نفت الحكومة الإسبانية، بشكل قاطع، ما ورد في التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن مزاعم “تراجع مدريد” عن موقفها الداعم لمقترح الحكم الذاتي المغربي في قضية الصحراء.
وأكدت وزارة الخارجية الإسبانية، في بلاغ رسمي نشرته وكالة “أوروبا برس”، أن موقف إسبانيا من هذا الملف لم يشهد أي تغيير، مشددة على أن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ما زال قائماً وراسخاً. وأوضح البلاغ أن هذا الموقف تم التأكيد عليه في البيان المشترك بين الرباط ومدريد بتاريخ 7 أبريل 2022، وأعيد تأكيده خلال الاجتماع رفيع المستوى الذي استضافته العاصمة المغربية عام 2023.
ويأتي هذا الرد الحاسم من مدريد في أعقاب تصريحات أدلى بها الرئيس الجزائري خلال لقاء جمعه بممثلين عن المجتمع المدني في مدينة بشار، زعم فيها أن “إسبانيا ارتكبت خطأ وتراجعت عنه”، في إشارة إلى موقفها من النزاع الإقليمي حول الصحراء.
وتقاطع محللون سياسيون مع الموقف الإسباني، معتبرين أن تصريحات تبون تأتي في سياق دعاية داخلية تهدف إلى صرف الأنظار عن فشل التحركات الدبلوماسية الجزائرية في إقناع المجتمع الدولي بروايتها حول الملف.
وقد جاء تجديد إسبانيا لدعمها لمبادرة الحكم الذاتي بعد زيارة رسمية لوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى مدريد، التقى خلالها بنظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس. وصرّح الأخير بأن بلاده تعتبر المقترح المغربي “الحل الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لإنهاء النزاع المستمر حول الصحراء.
بهذا التصريح، تكون إسبانيا قد جددت تأكيدها على تموضعها السياسي إلى جانب المغرب في هذا الملف، واضعةً بذلك حداً لمحاولات التأويل واللبس التي أثارتها تصريحات المسؤول الجزائري.
وتأتي تصريحات الخارجية الإسبانية في سياق محاولة واضحة لتثبيت موقف مدريد وتحصينه من محاولات التشويش المتكررة التي تقودها الجزائر منذ إعلان إسبانيا دعمها الصريح لمقترح الحكم الذاتي المغربي، وهو التحول الذي أحدث آنذاك أزمة دبلوماسية بين البلدين وصلت إلى حد سحب الجزائر لسفيرها من مدريد وتعليق اتفاقية الصداقة وحسن الجوار.
لكن رغم هذه التوترات، حافظت الحكومة الإسبانية على ثبات موقفها، مؤكدة مراراً أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 تمثل قاعدة واقعية وجدّية لحل هذا النزاع، وهو ما يعكس انسجاماً مع الموقف المعتمد من قبل عدد من القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا.
زيارة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى مدريد لم تكن فقط مناسبة لإعادة التأكيد على تطابق الرؤى بخصوص قضية الصحراء، بل جاءت في إطار تعزيز الشراكة الاستراتيجية الثنائية بين البلدين، والتي شملت ملفات كبرى كالطاقة، الهجرة، ومحاربة الإرهاب، فضلاً عن التعاون الاقتصادي.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك، شدد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس على أن العلاقات مع الرباط تمرّ بـ”أفضل مراحلها”، مشيراً إلى أن الثقة المتبادلة والوضوح في المواقف يظلان أساس هذه الشراكة.
في المقابل، يرى مراقبون أن تصريحات الرئيس تبون تعكس حالة من العزلة التي باتت تعاني منها الجزائر على الصعيدين الإقليمي والدولي بخصوص ملف الصحراء، في ظل تزايد عدد الدول التي تدعم مبادرة الحكم الذاتي أو تفتح قنصلياتها في الأقاليم الجنوبية للمغرب، وهو ما يعتبره محللون مؤشراً على تراجع التأثير الدبلوماسي الجزائري.
وتبقى إسبانيا، بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها الاستعماري في المنطقة، لاعباً أساسياً في هذا الملف، ما يجعل موقفها من النزاع محورياً، ويدفع الجزائر إلى محاولة إضعافه أو التشكيك فيه عبر تصريحات إعلامية لا تجد صدى على أرض الواقع.








