أثارت الاستقالات الأخيرة لعدد من أعضاء مجلس النواب، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 23 شتنبر 2026، نقاشاً واسعاً حول خلفياتها السياسية والقانونية، خصوصاً أن عدداً من هذه الاستقالات تزامن مع تغيّر الانتماءات الحزبية والاستعداد لخوض الاستحقاق المقبل بألوان سياسية جديدة.
وبحسب المعطيات المتداولة وقرارات المحكمة الدستورية، فقد بتّت المحكمة في وضعية عدد من النواب الذين اختاروا الاستقالة من عضوية مجلس النواب، حيث أشارت معطيات منشورة إلى أن 13 نائباً قدموا استقالاتهم، بينما ارتبطت حالات أخرى بتغيير الانتماء السياسي.
لماذا الاستقالة الآن؟
السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: لماذا استقال هؤلاء النواب؟ بل أيضاً: لماذا في هذا التوقيت بالذات؟
الجواب يرتبط بدرجة كبيرة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فالنائب الذي غادر حزبه ويرغب في الترشح باسم حزب آخر قد يجد نفسه أمام ضرورة ترتيب وضعيته القانونية والسياسية قبل دخول السباق الانتخابي.
وهنا تتحول الاستقالة من مجرد قرار شخصي إلى خطوة مرتبطة بإعادة التموضع السياسي، خصوصاً عندما يكون البرلماني قد أنهى علاقته بالحزب الذي ترشح باسمه سنة 2021، ويرغب في خوض الانتخابات المقبلة تحت راية سياسية مختلفة.
وقد أكدت قرارات للمحكمة الدستورية أن الاستقالة من عضوية البرلمان تظل حالة استثنائية، لأن النائب يستمد نيابته من الأمة، غير أن القانون يحدد آليات التعامل معها وإثبات شغور المقعد.
ماذا يقول القانون؟
المسألة ليست متروكة للتقدير السياسي وحده. فالقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب ينظم حالات شغور المقاعد، ويمنح المحكمة الدستورية صلاحية التصريح بشغور المقعد في الحالات التي يحددها القانون.
كما أن النظام الداخلي لمجلس النواب يوضح أن الاستقالة تقدم كتابة إلى رئيس المجلس، الذي يحيط مكتب المجلس ثم المجلس علماً بها.
وتتولى المحكمة الدستورية، في الحالات التي تدخل ضمن اختصاصها، البت في الوضعية القانونية للنائب والتصريح بشغور المقعد وفق المقتضيات القانونية الجاري بها العمل.
وهذا يعني أن تقديم الاستقالة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد مغادرة إدارية فورية للبرلمان، بل إن لها مساراً قانونياً ومؤسساتياً محدداً.
الاستقالة ليست هي تغيير الحزب
وهنا تكمن النقطة الأكثر حساسية.
الدستور المغربي ينص، في الفصل 61، على تجريد البرلماني من صفة العضوية إذا تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها، وفق الشروط والضوابط القانونية.
لذلك، فإن الانتقال السياسي من حزب إلى آخر لا يمكن التعامل معه باعتباره شأناً حزبياً داخلياً فقط، لأنه قد تكون له آثار مباشرة على الصفة البرلمانية.
وقد أظهرت قرارات المحكمة الدستورية خلال سنة 2026 حالات جرى فيها اعتبار الاستقالة غير ذات موضوع عندما كان النائب قد فقد عضويته أصلاً بسبب تخليه عن انتمائه السياسي، قبل البت في طلب الاستقالة.
هل نحن أمام ترحال سياسي جديد؟
سياسياً، يصعب فصل هذه الاستقالات عن ظاهرة الترحال السياسي التي تعود إلى الواجهة مع كل محطة انتخابية.
فحين يستقيل نائب من البرلمان بعد مغادرته حزبه، ثم يستعد للترشح باسم حزب آخر، فإن السؤال المشروع يصبح: هل يتعلق الأمر بتسوية قانونية لوضعية سياسية قائمة، أم أن الاستقالة أصبحت وسيلة للانتقال من موقع انتخابي إلى موقع انتخابي آخر؟
لا يمكن إصدار حكم موحد على جميع الحالات، لأن دوافع النواب تختلف من شخص إلى آخر. لكن تزامن عدد من الاستقالات مع الاستعداد للانتخابات يفتح الباب أمام قراءة سياسية أوسع.
الناخب أين يوجد في كل هذا؟
المشكلة الأعمق لا تتعلق فقط بالاستقالة أو بتغيير الحزب، وإنما بالسؤال حول الإرادة التي عبر عنها الناخبون سنة 2021.
فالبرلماني لم يصل إلى مجلس النواب باسمه الشخصي فقط، وإنما ترشح ضمن إطار سياسي وبرنامج انتخابي وحزب حصل بواسطته على أصوات الناخبين.
ومن هنا، فإن انتقال المنتخب من حزب إلى آخر خلال الولاية يطرح إشكالية سياسية وأخلاقية تتجاوز حدود النص القانوني: هل يظل النائب ممثلاً للإرادة الانتخابية نفسها، أم أن تغيير الانتماء يعني عملياً تغييراً في الاختيار الذي عبر عنه الناخب؟
القانون يستطيع أن يحدد متى يفقد النائب عضويته وكيف يملأ المقعد الشاغر، لكنه لا يستطيع وحده أن يحسم سؤال الثقة السياسية.
المحكمة الدستورية تحسم القانون.. والسياسة تحسم الحساب
قرارات المحكمة الدستورية في هذا الملف تؤكد أن التعامل مع الاستقالات ليس مسألة سياسية مجردة، بل يخضع لقواعد دستورية وقانونية دقيقة.
وفي بعض الحالات، خلصت المحكمة إلى التصريح بشغور المقاعد دون الحاجة إلى تعويضها، بالنظر إلى توقيت الاستقالات واقتراب نهاية الولاية وانطلاق العمليات المرتبطة بانتخاب المجلس الجديد.
وهنا يظهر الفارق بين ما هو قانوني وما هو سياسي.
فمن الناحية القانونية، قد تكون الاستقالة صحيحة ومستوفية للمسطرة.
أما من الناحية السياسية، فإن دوافعها وتوقيتها وعلاقتها بتغيير الحزب والترشح المقبل تبقى موضع نقاش ومساءلة من الرأي العام والناخبين.
الانتخابات المقبلة.. الاختبار الحقيقي
وفي الأخير ،لن تكون الاستقالات هي الحكم النهائي على أصحابها، وإنما صناديق الاقتراع.
فالبرلماني الذي اختار تغيير موقعه السياسي سيعود مجدداً إلى الناخبين، وسيكون عليه أن يقدم تفسيراً سياسياً واضحاً: لماذا غادر الحزب الذي انتخب باسمه؟ ولماذا اختار حزباً آخر؟ وهل تغيرت قناعاته أم تغيرت حساباته؟
وبذلك، فإن ملف الاستقالات البرلمانية الأخيرة يكشف أكثر من مجرد مجموعة من الإجراءات القانونية؛ إنه يعيد إلى الواجهة سؤالاً أوسع حول علاقة المنتخب بالحزب، وعلاقة الحزب بالناخب، وحدود حرية البرلماني في تغيير موقعه السياسي خلال الولاية التشريعية.
القانون قد يسمح بمسار الاستقالة وفق شروطه، والمحكمة الدستورية قد تحسم الوضعية القانونية، لكن الحكم السياسي النهائي يبقى للناخب.
وفي انتخابات 23 شتنبر 2026، ستكون صناديق الاقتراع هي التي ستقول ما إذا كان تغيير العناوين السياسية مجرد إعادة تموضع انتخابي، أم تحولاً حقيقياً في القناعات والاختيارات.
النواب الذين قدموا استقالتهم من البرلمان وأحيلت ملفاتهم على المحكمة الدستورية بهدف تغيير الانتماء السياسي لمعظمهم:
فريق الأصالة والمعاصرة (9 أسماء)
أحمد الدهي
. خليد حاتمي
. سيدي صالح الادريسي
. عبد الفتاح عمار
. نظير رضوان
. محمد بنعطية
. رحو الهيلع
. الحسين بوحسيني
. حماني محمد
فريق التجمع الوطني للأحرار (7 أسماء)
خالد العجلي
. نور الدين قشبيل
زينب السيمو
. عمر اووجيل
. امبارك حمية
محمادي توحتوح
مروان شبعتو
الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية (6 أسماء)
. عبد المجيد الفاسي الفهري
. عبد الفتاح أهل المكي
. المصطفى القاسمي
. طارق قديري
. محمد نجيب الخالدي
. هاشم أمين الشفيق (حالة وفاة)
الفريق الحركي (4 أسماء)
. عبد الحق الشفيق
. ادريس السنتيسي
. زكرياء القدميري العزيزي
. لطيفة اعبوث
الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي (4 أسماء)
. محمد الزموري
. عبد العزيز الوادكي
. سعيدة زهير
. عبد الكريم أمين
حزب جبهة القوى الديمقراطية (اسم واحد)
. ريم شباط
الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية (اسم واحد)
. عبد الغني مخداد.









