اللحوم والدواجن والأسماك خارج القدرة الشرائية للأسر
لم يعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية بالمغرب مقتصرا على صنف معين يمكن للمستهلك الاستغناء عنه أو تعويضه ببديل أقل تكلفة، بل امتد ليشمل مختلف مصادر البروتين الحيواني، من اللحوم الحمراء إلى الدواجن والأسماك، ما وضع الأسر المغربية أمام معادلة معيشية صعبة، عنوانها تراجع القدرة الشرائية واتساع دائرة المواد الغذائية التي بات اقتناؤها عبئا على ميزانيات العائلات، خصوصا ذات الدخل المحدود والمتوسط.
فبعدما أصبحت اللحوم الحمراء بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المواطنين، ارتفعت أسعار الدواجن، التي ظلت لسنوات بديلا أساسيا للأسر الباحثة عن غذاء أقل تكلفة، قبل أن تلتحق بها الأسماك، بما فيها أنواع كانت توصف بالشعبية، مثل السردين والشرن، لتتحول بدورها إلى مواد لا تستطيع جميع الأسر اقتناءها بانتظام.
في أسواق اللحوم، تتواصل الضغوط على المستهلكين مع تسجيل أسعار مرتفعة تجعل اقتناء اللحوم الحمراء بشكل يومي أمرا صعبا، إذ يتراوح سعر الكيلوغرام الواحد من لحم البقر بين 100 و160 درهما، بحسب المدن والأحياء، بينما تتراوح أسعار لحم الغنم بين 140 و180 درهما للكيلوغرام.
ولا تعكس هذه الفوارق السعرية اختلافات الأسواق ومناطق البيع فحسب، بل تكشف أيضا اتساع الفجوة بين أسعار اللحوم ومستويات الدخل. ففي الوقت الذي تباع فيه بعض الأنواع بأسعار مرتفعة في الأحياء ذات القدرة الشرائية الأعلى، يجد الجزارون في الأسواق الشعبية صعوبة متزايدة في تسويقها، بسبب محدودية إمكانات الزبائن.
وأمام هذا الوضع، اضطر بعض التجار إلى التخلي عن عرض لحوم الأغنام، بعدما لم تعد المبيعات تغطي تكاليف جلبها وتسويقها، فيما تقلصت الكميات التي يقتنيها الزبائن بشكل ملحوظ. فمن كان يشتري كيلوغراما كاملا أصبح يكتفي بربع كيلوغرام، بينما اختار آخرون الاستغناء عنها نهائيا، في مؤشر على حجم التحول الذي فرضه الغلاء على العادات الغذائية للمغاربة.
ويرتبط استمرار ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، وفق مهنيين، بتراجع العرض المحلي مقارنة بالطلب، إلى جانب صعوبات الاستيراد وارتفاع تكاليف النقل والشحن. كما أن نفاد الحصة المخصصة لاستيراد 300 ألف رأس من الأبقار، وفق المعطيات الواردة عن المهنيين، يثير تساؤلات بشأن قدرة السوق على الحفاظ على مستويات الأسعار الحالية، خصوصا مع ترقب وصول شحنات جديدة.
وتزيد القيود المرتبطة بالأسواق الخارجية، نتيجة الوضع الصحي للقطعان في بعض البلدان الأوروبية، من تعقيد عملية تأمين الإمدادات، في وقت تؤثر فيه تكاليف المحروقات والنقل البحري على الكلفة النهائية للحيوانات المستوردة، بما ينعكس على أسعار البيع للمستهلك.
غير أن الأزمة لا تتوقف عند اللحوم الحمراء، إذ امتد الغلاء إلى الدواجن، التي شكلت لسنوات الملاذ الأقل تكلفة بالنسبة إلى الأسر المغربية. فقد بلغ سعر الكيلوغرام الواحد من الدجاج الحي نحو 24 درهما، فيما تتراوح أسعار الدجاج المذبوح بين 40 و70 درهما، بحسب القطع، بينما يصل سعر بعض قطع لحم الديك الرومي المذبوح إلى 80 درهما للكيلوغرام.
ويعني هذا الارتفاع أن الأسر التي كانت تلجأ إلى الدجاج لتعويض غياب اللحوم الحمراء عن موائدها أصبحت بدورها مضطرة إلى تقليص الكميات المشتراة أو تغيير اختياراتها الغذائية، في ظل غياب بديل يضمن توفير البروتين الحيواني بأسعار مناسبة للجميع.
ويرجع مهنيون في القطاع هذا الوضع إلى الخسائر التي تكبدها عدد من مربي الدواجن خلال الفترة الممتدة من أبريل إلى غشت، وما ترتب عنها من تراجع في الاستثمارات وتوقف بعض الضيعات عن الإنتاج، الأمر الذي أثر على حجم العرض في الأسواق.
كما ساهم تقليص إنتاج إناث الدجاج في إضعاف القدرة على توفير الكتاكيت بالكميات المطلوبة، بعدما اضطرت بعض وحدات التفريخ إلى التخلص من إناث الدجاج أو تقليص نشاطها بسبب الخسائر. ويحتاج استعادة الإنتاج إلى وقت، بالنظر إلى المدة اللازمة لتفريخ البيض وتربية الدجاج داخل الضيعات قبل وصوله إلى الأسواق.
وبحسب التقديرات المهنية الواردة في المعطيات المتاحة، فإن عودة التوازن إلى السوق قد تبدأ مع أواخر نونبر وبداية دجنبر، شريطة تحسن الإنتاج واستعادة الضيعات لنشاطها، وهي توقعات تظل مرتبطة بتطور العرض والطلب خلال الأسابيع المقبلة.
أما الأسماك، التي يفترض أن تشكل أحد البدائل الغذائية المتاحة في بلد يمتد ساحلاه على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، فلم تسلم بدورها من موجة الغلاء. فقد أصبحت أسعار أنواع استهلاكية، مثل السردين والشرن والأنشوبة، مصدر قلق للمستهلكين، بعدما سجلت مستويات تزيد من صعوبة إدراجها بانتظام ضمن الوجبات اليومية للأسر محدودة الدخل.
وتتراوح أسعار السردين، وفق المعطيات المنشورة لدى أحد مواقع تسويق الأسماك الطازجة بالدار البيضاء، بين 12 و25 درهما للكيلوغرام، بينما يتراوح سعر الشرن بين 15 و30 درهما، والأنشوبة بين 20 و35 درهما. وهي أسعار تختلف باختلاف الجودة ومكان البيع وظروف التسويق، لكنها تعكس بدورها تراجع الصورة التقليدية للأسماك باعتبارها غذاء شعبيا متاحا للجميع.
وتتجاوز الأسعار هذه المستويات بالنسبة إلى أنواع أخرى، إذ يتراوح سعر الميرلان بين 65 و90 درهما للكيلوغرام، والدوراد بين 85 و130 درهما، وسمك موسى بين 90 و140 درهما، فيما يصل سعر الدرعي إلى ما بين 110 و180 درهما. كما تتراوح أسعار الأخطبوط والسيبيا والروبيان الوردي بين 90 و130 درهما، بينما يصل سعر الكالامار إلى 140 درهما للكيلوغرام.
وتتأثر أسعار الأسماك بعوامل متعددة، من بينها الظروف الجوية ومواسم الصيد وتكاليف المحروقات والنقل، فضلا عن تعدد حلقات الوساطة والتسويق بين مواقع التفريغ والأسواق النهائية. غير أن استمرار ارتفاع الأسعار يطرح تساؤلات بشأن مدى استفادة المستهلك من الثروة السمكية الوطنية، وحجم الفارق بين وفرة الموارد البحرية وإمكانية اقتنائها بأسعار تتناسب مع القدرة الشرائية.
وفي ظل هذه المعطيات، لم تعد المشكلة بالنسبة إلى العديد من الأسر المغربية مرتبطة بالاختيار بين اللحم والدجاج والسمك، بل أصبحت مرتبطة بالقدرة على شراء أي منها بكميات كافية وبانتظام. فحين ترتفع أسعار اللحوم الحمراء، وتتبعها الدواجن، ثم تلتحق بها الأسماك، تضيق الخيارات الغذائية وتتزايد الضغوط على ميزانية الأسرة، التي تجد نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها على حساب جودة الغذاء وتنوعه.
وبين تراجع العرض في بعض القطاعات وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل واضطراب سلاسل التوريد، يبقى السؤال المطروح هو مدى نجاعة التدابير المتخذة لضمان استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية. فالمطلوب لا يقتصر على تأمين المنتجات في الأسواق، بل يشمل أيضا ضمان وصولها إلى المستهلك بأثمان معقولة، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتحسين مسالك التسويق، والحد من الاختلالات التي تجعل الغذاء الأساسي عبئا متزايدا على الأسر.











