مستجدات

القاسم الانتخابي في المغرب.. الاستثناء الذي أشعل جدلاً دستورياً وسياسياً حول جوهر التمثيلية الديمقراطية

[TOUTES LES ACTUALITÉS]28 أغسطس 2026
القاسم الانتخابي في المغرب.. الاستثناء الذي أشعل جدلاً دستورياً وسياسياً حول جوهر التمثيلية الديمقراطية

الجامعي أبو الشتاء

يُعد القاسم الانتخابي إحدى أهم الآليات التقنية التي تقوم عليها الأنظمة الانتخابية، لما له من تأثير مباشر في كيفية توزيع المقاعد وتشكيل الخريطة السياسية بعد كل استحقاق انتخابي. ورغم أن هذه الآلية تبدو في ظاهرها مجرد معادلة حسابية، فإنها تتحول في كثير من الأحيان إلى قضية دستورية وسياسية تمس جوهر الديمقراطية ومفهوم التمثيلية الشعبية.

وفي المغرب، أثار اعتماد المشرع لاحتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، بموجب القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، نقاشاً واسعاً بين الفقهاء ورجال القانون والفاعلين السياسيين، حتى وُصف هذا الخيار بـ”الاستثناء المغربي”، بالنظر إلى اختلافه عن الصيغ المعمول بها في أغلب الديمقراطيات التي تعتمد الأصوات الصحيحة المعبر عنها كأساس لتوزيع المقاعد.

ما هو القاسم الانتخابي؟

و يمثل القاسم الانتخابي المعامل الحسابي الذي يتم على أساسه توزيع المقاعد بين اللوائح المتنافسة داخل الدائرة الانتخابية. وكان النظام المعتمد سابقاً يقوم على قسمة مجموع الأصوات الصحيحة المعبر عنها على عدد المقاعد المخصصة للدائرة.

ولتقريب الصورة، فإذا كانت دائرة انتخابية تضم 100 ألف ناخب مسجل، وتخصص لها خمسة مقاعد، وبلغ عدد الأصوات الصحيحة 40 ألف صوت، فإن القاسم الانتخابي وفق الصيغة السابقة يكون ثمانية آلاف صوت، أي إن كل لائحة تحصل على هذا العدد من الأصوات تستحق مقعداً.

غير أن التعديل الجديد غيّر هذه المعادلة جذرياً، إذ أصبح القاسم الانتخابي يحتسب على أساس مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية، وليس عدد المصوتين فعلياً، وهو ما يجعل القاسم في المثال نفسه يرتفع إلى 20 ألف صوت، رغم أن عدد المشاركين في الاقتراع لم يتجاوز 40 ألف ناخب.

لماذا اعتُبر استثناءً؟

الجدل الذي رافق هذا التعديل لم يكن مرتبطاً فقط بالجانب الحسابي، وإنما بالغاية التي يسعى إليها. فالسؤال الذي طرحه العديد من الباحثين هو: هل الهدف من تغيير طريقة الاحتساب يتمثل في تحقيق تمثيلية أكثر عدالة، أم في إعادة رسم التوازنات السياسية بطريقة غير مباشرة؟

وفي هذا السياق، اعتبر عدد من أساتذة القانون الدستوري أن اعتماد عدد المسجلين بدل الأصوات الصحيحة يشكل خروجاً عن المبادئ التقليدية للتمثيل النسبي. فقد وصف الأستاذ رشيد المدور هذا النظام بأنه “بدعة” في الهندسة الانتخابية، بينما اعتبر الأستاذ محمد أمين بنعبد الله أن موقف المحكمة الدستورية من هذا المقتضى يشبه “شيكاً على بياض” للمشرع، بعدما اعتبرت المحكمة أن طريقة احتساب القاسم الانتخابي تدخل ضمن السلطة التقديرية للبرلمان، في غياب نص دستوري يحدد كيفية احتسابه.

إشكالات دستورية عميقة

يرى منتقدو النظام الحالي أن احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين يثير عدة إشكالات دستورية، ترتبط أساساً بمبادئ السيادة الشعبية، والمساواة بين المواطنين، ونزاهة الانتخابات، ومدى احترام إرادة الناخبين.

ويذهب هؤلاء الأساتذة  إلى أن هذا المقتضى يتعارض مع جوهر التمثيل النسبي، ويمس بمبادئ الإنصاف والعدالة الانتخابية، كما يحد من انعكاس الإرادة الشعبية الحقيقية داخل المؤسسات المنتخبة، الأمر الذي قد يؤثر، بحسب رأيه، على شرعية الأغلبية الحكومية المنبثقة عن الانتخابات.

فانتقدوا قرار المحكمة الدستورية الذي اعتبر أن تقييم الصيغة التقنية للقاسم الانتخابي يدخل ضمن اختصاص المشرع وحده، معتبراً أن المحكمة تخلت بذلك عن جزء من دورها في الرقابة الدستورية، رغم أن آثار هذا الاختيار تمس المبادئ الدستورية المتعلقة بالتمثيل الديمقراطي.

بين التعددية وتشتيت المشهد الحزبي

رغم أن دستور 2011 كرس مبدأ التعددية السياسية ورفض منطق الحزب الوحيد، فإن عدداً من المتابعين يرون أن تعزيز هذه التعددية لا ينبغي أن يتم عبر تعديل قواعد توزيع المقاعد فقط، بل من خلال تقوية الأحزاب وبرامجها السياسية.

ويعتبر هؤلاء أن الجمع بين احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين، وبين التخفيض السابق للعتبة الانتخابية، ساهم في توسيع تمثيلية الأحزاب الصغيرة، لكنه في المقابل أدى إلى مزيد من تشتت المشهد الحزبي، وصعّب تشكيل أقطاب سياسية قوية وقادرة على تقديم بدائل واضحة للناخبين.

احتساب غير مباشر للممتنعين عن التصويت

أكثر الانتقادات إثارة للجدل تتمثل في كون النظام الحالي يجعل الممتنعين عن التصويت يؤثرون، بصورة غير مباشرة، في توزيع المقاعد، باعتبار أن عددهم يدخل ضمن عملية احتساب القاسم الانتخابي، رغم أنهم لم يدلوا بأصواتهم.

ويرى معارضو هذا النظام أن الأمر لا يقتصر على الممتنعين فقط، بل يشمل أيضاً الأشخاص الذين ما زالت أسماؤهم مدرجة في اللوائح الانتخابية رغم وفاتهم، أو الذين فقدوا حقوقهم المدنية، أو الذين غادروا البلاد ولم يشاركوا في الاقتراع، وهو ما يجعل قاعدة الاحتساب لا تعكس بدقة الإرادة الفعلية للناخبين الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع.

كما يشير المنتقدون إلى أن هذا النظام قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى تقارب عدد المقاعد بين أحزاب حصلت على نسب متباعدة جداً من الأصوات، وهو ما يعتبرونه مساساً بمبدأ ربط التمثيلية الانتخابية بحجم التأييد الشعبي الحقيقي.

نقاش مفتوح حول مستقبل النظام الانتخابي

يبقى الجدل حول القاسم الانتخابي في المغرب مفتوحاً بين من يعتبره خياراً سيادياً يندرج ضمن السلطة التقديرية للمشرع، ويهدف إلى توسيع التمثيلية الحزبية، وبين من يرى أنه أحدث تحولاً عميقاً في فلسفة الاقتراع، وجعل وزن المشاركة الفعلية أقل تأثيراً في تحديد النتائج النهائية.

وفي جميع الأحوال، يظل السؤال الجوهري قائماً: هل ينبغي أن تعكس نتائج الانتخابات أصوات الذين اختاروا المشاركة فقط، أم يجوز أن تتأثر أيضاً بمن فضلوا الامتناع عن التصويت؟ إنه سؤال يتجاوز التقنية الانتخابية، ليصل إلى صلب النقاش حول مفهوم الديمقراطية التمثيلية ومستقبل الإصلاح السياسي في المغرب.

 

الاخبار العاجلة