بروكسيل – خاص
عادت قضية منطقة القبائل في الجزائر إلى دائرة الضوء الدولي، وهذه المرة من داخل أروقة البرلمان الأوروبي، حيث كشفت مصادر دبلوماسية أوروبية مطلعة أن لجنتين برلمانيتين تدرسان بجدية إمكانية الاعتراف بحق الشعب القبائلي في تقرير مصيره، في خطوة من شأنها أن تفتح جبهة سياسية جديدة في علاقة أوروبا مع الجزائر.
ويأتي هذا التحرك في سياق تزايد الانتقادات الغربية لسجل الجزائر الحقوقي، لا سيما بعد تشديد قبضتها الأمنية على الإعلاميين والمعارضين والنشطاء، في مناخ يوصف بأنه يعيد إلى الأذهان أجواء “العشرية السوداء”. ويعتبر مراقبون أن هذا التوجه الاستبدادي يضعف من مصداقية النظام الجزائري لدى شركائه الأوروبيين، ويفرض عليهم إعادة تقييم علاقاتهم به.
في المقابل، تكثف الحكومة القبائلية المؤقتة في المنفى، بقيادة فرحات مهني، جهودها الدبلوماسية انطلاقًا من مقرها في باريس، سعيًا لتحريك الملف على الساحة الدولية. وتشير المعطيات إلى أن نشاط هذه الحكومة توسع ليشمل اتصالات مع نواب أوروبيين وأمريكيين، ومسؤولين سياسيين من إفريقيا، بهدف كسب الاعتراف بحق القبائل في تقرير مصيرها.

وقال مصدر من داخل البرلمان الأوروبي لموقع “ساحل أنتلجنس”، مفضّلاً عدم كشف هويته، إن منطقة القبائل أضحت بمثابة “وسيلة احتجاج سلمية” ضد نظام فقد الثقة فيه الكثيرون داخل الاتحاد الأوروبي. وتحدث عن إمكانية صدور “إشارة سياسية واضحة” من بروكسيل في هذا السياق قريبًا.
ويستند حزب الشعب القبائلي، الحامل للمطالب الاستقلالية، إلى المرجعيات القانونية الدولية، مثل ميثاق الأمم المتحدة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لتأكيد شرعية مطالبه. ويؤكد قادته أن تحركهم سلمي بالكامل، ولا يروم إلا حلاً ديمقراطيًا يعكس إرادة الشعب القبائلي.
وفي حديثه للموقع نفسه، قال فرحات مهني: “بعد سنوات طويلة من التعتيم والتهميش، بات صوتنا يُسمع داخل أوروبا. لسنا دعاة صدام بل نطالب فقط بحقنا المشروع والسلمي”.
يُذكر أن السلطات الجزائرية صنّفت حركة “الماك” التي يقودها مهني كـ”منظمة إرهابية” منذ عام 2021، ما فتح الباب أمام حملة اعتقالات ومتابعات قضائية طالت العشرات من نشطاء المنطقة بتهم تمس بـ”الوحدة الوطنية“.
ويرى خبراء أن ملف القبائل دخل منعطفًا دبلوماسيًا حاسمًا، إذ تجاوز حدود الخطاب الداخلي إلى الفضاء الجيوسياسي الأوروبي، في تطور يُحتمل أن يُستخدم كورقة ضغط من بروكسيل على الجزائر. وفي هذا الصدد، رجّح دبلوماسي فرنسي سابق أن “الاتحاد الأوروبي قد يلجأ إلى ورقة الأقليات لمواجهة الأنظمة التي تنزلق نحو السلطوية، ولن تكون الجزائر خارج هذا السياق”.
وتفيد تقارير أمنية بأن فرحات مهني تمكن من كسب دعم عدد من البرلمانيين الأوروبيين، خاصة من إيطاليا وألمانيا والسويد، ما قد يمهّد لنقل ملف القبائل إلى مستويات أكثر حساسية في النقاش الأوروبي الرسمي.
في ظل هذا الزخم المتزايد، يبدو أن القبائل، التي لطالما همّشتها الحسابات الجيوسياسية، تتهيأ لتكون عنصراً محورياً في إعادة تشكيل ملامح العلاقة بين الجزائر وأوروبا.









