الرباط : أنوار لاركو
في سياق مناخي يتسم بتقلبات حادة بين سنوات جفاف طويلة وتساقطات قوية ومركزة، سجلت الموارد المائية بالمغرب تحسنا ملحوظا، إذ بلغت حوالي 9.2 مليار متر مكعب، مسجلة ارتفاعا يقارب 98 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، لترتفع النسبة الإجمالية لملء السدود إلى 55.2 في المائة إلى غاية يوم الأربعاء 28 يناير 2026.
ويأتي هذا الارتفاع اللافت في مخزون المياه السطحية بالتزامن مع نشرة إنذارية من مستوى يقظة برتقالي أصدرتها المديرية العامة للأرصاد الجوية، حذرت فيها من زخات مطرية قوية ورياح عاصفية بعدد من مناطق المملكة، وهو ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول طبيعة هذا التحسن وحدوده، وما إذا كان يعكس تعافيا حقيقيا للمنظومة المائية أم مجرد انتعاش ظرفي مرتبط بتقلبات مناخية حادة.
وفي هذا الإطار، أكد أيوب كرير، الباحث في إعداد المجال والتنمية المستدامة ورئيس جمعية “أوكسجين” للبيئة والصحة، أن الارتفاع الحالي في منسوب السدود لا يعني بالضرورة تعافي الفرشات المائية الجوفية، مبرزا أن المياه السطحية والمياه الجوفية تخضعان لمنطقين مختلفين من حيث التغذية والتجدد. وأوضح أن السدود تستفيد بسرعة من التساقطات الغزيرة والفيضانات، خاصة عندما تكون الأمطار قوية ومركزة في زمن قصير، وهو ما يفسر ارتفاع نسب الملء خلال أسابيع قليلة.
في المقابل، شدد كرير على أن الفرشات المائية تحتاج إلى تغذية بطيئة ومنتظمة تمتد على فترات زمنية طويلة حتى تستعيد عافيتها، وهو ما لا توفره الأمطار القوية والمتقطعة. وأشار إلى أن المغرب، بعد سبع سنوات متتالية من الجفاف، عرف استنزافا مقلقا للمياه الجوفية، خصوصا في عدد من الأحواض المائية التي تراجع منسوبها بمعدل يتراوح بين متر ومترين سنويا، إلى جانب الاعتماد المكثف على الضخ لتعويض الخصاص في المياه السطحية.
واعتبر المتحدث أن التحسن الحالي، رغم أهميته، يظل ظرفيا ومحصورا في المياه السطحية، ولا يعكس تعافيا بنيويا للموارد المائية، مؤكدا أن استعادة التوازن المائي تظل رهينة باستقرار مناخي لعدة سنوات متتالية، وليس بهطولات قوية متقطعة.
وفي ما يخص التأثيرات البيئية لهذه التقلبات المناخية، أوضح كرير في تصريح لموقع “أول نيوز “أن الأمطار الغزيرة التي تعقب فترات جفاف طويلة تُعد من أخطر تجليات التغير المناخي، إذ إن التربة الجافة والمتصلبة لا تسمح بتسرب المياه بشكل طبيعي، ما يؤدي إلى جريان سطحي سريع وحدوث فيضانات بدل تغذية الفرشات الجوفية، فضلا عن انجراف التربة واقتلاع الغطاء النباتي.
وأضاف أن هذه الظواهر تتسبب في فقدان التربة لطبقتها السطحية الغنية بالمواد العضوية، خاصة في المناطق الهشة مثل الأطلس والجنوب الشرقي وسوس، مما يؤدي إلى تراجع خصوبتها واختلال النظم البيئية. كما نبه إلى أضرار تطال الغطاء النباتي الطبيعي والغابات، واضطرابات في دورة حياة الحشرات والكائنات الدقيقة، وانعكاسات سلبية على التنوع البيولوجي المحلي، واصفا الوضع بـ”الخطر الجسيم”.
وعلى المستوى الفلاحي، أكد كرير أن هذه التقلبات المناخية تعقّد التخطيط الزراعي بسبب غياب انتظام دورات النمو، موضحا أن الأمطار القوية لا تخدم الزراعات الخريفية بالضرورة، بل قد تتسبب في إتلاف المحاصيل بدل تغذيتها. كما أشار إلى ارتفاع الطلب على مياه السقي نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وزيادة التبخر وضعف قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة، وهو ما يفاقم الضغط على الفرشات الجوفية ويعمق الأزمة المائية.
وختم أيوب كرير بالتأكيد على أن المغرب لا يعيش مرحلة تعافٍ مائي حقيقي بقدر ما يمر بمرحلة مناخية متقلبة عنوانها جفاف طويل يعقبه هطول قوي في وقت وجيز، داعيا إلى عدم الاكتفاء بمؤشر ملء السدود كمقياس للوضعية المائية. وشدد على ضرورة الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق إدارة المخاطر، مع التركيز على حماية الفرشات الجوفية وربط الدعم الفلاحي بالزراعات المستدامة وغير المستنزِفة للموارد الطبيعية، معتبرا أن الأمطار الأخيرة تشكل نعمة حقيقية، لكن التعافي الكلي يظل رهينا بانتظام التساقطات واستدامة الاستغلال الرشيد للمياه










