مستجدات

حين تتخلى الصحافة عن دورها… من مرآة للمجتمع إلى واجهة للفراغ

طاقم ALLNEWS25 يوليو 2025
حين تتخلى الصحافة عن دورها… من مرآة للمجتمع إلى واجهة للفراغ

حول مصير الصحافة ودورها في صناعة وعي جماعي حقيقي. فقد كان يُفترض أن تظل الصحافة سلطةً رابعة، ضميرًا حيًا يفضح الفساد، يُثير الأسئلة، ويحمي الصالح العام من غلبة المصالح الضيقة. لكنها، للأسف، تبدو اليوم وقد تخلّت عن تلك الأدوار النبيلة.

كانت الصحافة صوتًا للمهمشين، ودرعًا في وجه التسلط، وقوة نقدية تصون الديمقراطية وتحرس الحقيقة. لم تكن تكتفي برصد ما يحدث، بل كانت تصنع النقاش وتؤطره، تزعج الفاسدين وتوقظ الغافلين. أما اليوم، فقد تسلل إلى المشهد الإعلامي نموذج جديد، لا يحرج السلطة ولا يزعج السوق، بل يلهث خلف الإثارة، ويُسخّر كل طاقاته لنيل “إعجاب” سريع أو “مشاركة” أكثر.

تراجعت الصحافة التي تحفر في العمق لصالح محتوى سطحي يُعيد إنتاج الفراغ. تراجعت الصحافة التي تقف في وجه العبث لصالح منصات تُمجّد العابر، وتدمن “اللايكات”، وتستنسخ التفاهة بأشكال أكثر تزييناً. أما الصحافي، الذي كان ذات زمن يُشهر قلمه دفاعًا عن القيم، فقد وجد نفسه في كثير من الأحيان مُحاصرًا بين ضغوط السوق وخنادق الرقابة، فاكتفى بالدوران في منطقة الأمان المهني، بعيدًا عن الأسئلة الكبيرة.

ووسط هذا الانحدار، تظهر ومضات ضوء من هنا وهناك؛ منابر ما تزال تؤمن بأن الصحافة رسالة لا مهنة فقط، وبأن مواجهة القبح ليست ترفًا، بل واجبًا. صحافيون يصرّون على النبش في المسكوت عنه، ويكتبون بحبر الضمير، لا بحبر “الرعاة الرسميين”. لكن هؤلاء قلائل… ويقفون في مواجهة مدٍ عارم من الرداءة والتطبيع مع السطحية.

فهل يُعقل أن يتحول الإعلام، في مجتمعات تعاني من أزمات حادة في التنمية والديمقراطية، إلى أداة ترفيه فقط؟ هل يُمكن أن نتقدم بخطاب عام بلا مساءلة، وبصحافة تضحك حين يفترض أن تصرخ؟

الجواب واضح: لا تنمية بلا إعلام حر. ولا وعي جماعي دون صحافة تقود، لا تتبع. لذلك، لا بد من استعادة المعنى الحقيقي للعمل الصحفي، وتحرير الخط التحريري من سطوة السوق ومكر السياسة.

إن ما نحتاجه اليوم ليس مجرد صحافة أخرى، بل صحافة حقيقية. صحافة تنزل إلى الشارع لا تكتفي بالاستوديو. صحافة تنقل صوت المواطن، لا صدى السلطة. صحافة تختار الحقيقة على الراحة، والمهنية على المجاملة، والكرامة على الرضوخ.

…إن استمرار هذا الانحدار في المشهد الإعلامي لا يهدد فقط مصداقية الصحافة، بل يضرب عمق الوعي الجماعي ويشوّه علاقة المواطن بالحقيقة. حين تفرغ وسائل الإعلام من محتواها الجاد، وتتحول إلى مجرد منصات استهلاك للترفيه والتفاهة، فإنها تُسهم من حيث لا تدري (أو ربما تدري) في تمييع النقاش العمومي وتخدير الرأي العام.

وهنا يبرز الخطر الأكبر: تحويل المواطن من فاعل نقدي إلى مستهلك سلبي، يلتقط الأخبار مثلما يلتقط عروض الإشهار، دون أن يفكر أو يسائل. وفي غياب إعلام حقيقي يُنير الطريق، تُترك المساحة فارغة لتحتلها الإشاعة، ويصبح “المؤثر” بديلاً عن الصحافي، و”الترند” بديلاً عن الحقيقة.

إن الصحافة التي تُطبع مع الفراغ، وتصمت أمام العبث، وتتحاشى الأسئلة المزعجة، تتحول في نهاية المطاف إلى جزء من المشكلة، لا أداة لحلها. بل إنها تصبح شريكًا غير مباشر في تعميق الفساد، وترسيخ الرداءة، وإشاعة الإحباط.

ومع ذلك، لا يزال في الأفق بصيص أمل. لا تزال هناك أصوات صحفية تؤمن بأن المهنة ليست مجرد وظيفة بل التزام أخلاقي، ومقاومة صامتة في وجه التزييف والابتذال. أصوات تشتغل في الظل، بوسائل محدودة، لكنها تحمل همّ الحقيقة وتحرص على ألا تنطفئ شعلة النقد.

إن لحظة الصدق تقتضي أن نُعيد السؤال من جديد:
هل نحن فعلاً أمام صحافة، أم أمام صناعة محتوى موجه للاستهلاك اللحظي؟
هل نريد صحافة تخدم الوعي، أم تخدم السوق والسلطة؟

الإجابة، مهما بدت بسيطة، تتطلب إرادة جماعية: من الصحافيين، ومن المؤسسات، ومن المجتمع نفسه. لأن معركة الصحافة النزيهة ليست معركة داخل المهنة فقط، بل معركة وعي، معركة ضد الزيف، وضد السطحية، وضد التطبيع مع الرداءة.

ولذلك، فإن إعادة الاعتبار للصحافة الحقيقية يبدأ أولاً بمساءلة الذات، ورفض الاصطفاف وراء “الجوقة”، والتمسك بقلم شجاع، لا يكتب ما يُطلب، بل ما يجب.

الصحافة التي نحتاجها اليوم، ليست تلك التي تُرضي الجميع، بل تلك التي تُزعج حين يلزم الإزعاج، وتُنير حين يَسود الظلام، وتختار أن تكون صوتًا لمن لا صوت لهم… حتى لو دفعت الثمن.

ففي النهاية، مجتمعات بلا صحافة حقيقية، تشبه مدنًا بلا ضوء، بلا خرائط، وبلا نبض.

 

الاخبار العاجلة