هاشــم الخياطــي
يمكن فهم إصرار الكيان الذي يطلق على نفسه اسم “جبهة البوليساريو” على ملاحقة الاتفاقيات المغربية-الأوروبية قضائياً، لا باعتباره دليلاً على حضور قانوني وازن، بل كترجمة مباشرة لأزمة عميقة تطبع وجوده ومساره. فهذا الكيان، المحروم من أي اعتراف دولي بصفته ممثلاً حصرياً للسكان، وجد نفسه خارج كل دوائر التأثير السياسي والدبلوماسي، فلم يبق له سوى التعلّق بمساطر قضائية أوروبية وهمية ، كخيار اضطراري يعوّض به فشله في ساحات أكثر حسماً.
لقد تحوّل القضاء الأوروبي، في هذا السياق، إلى فضاء رمزي تحاول البوليساريو من خلاله كسر عزلتها السياسية، أكثر مما هو مسار قانوني قائم على أسس صلبة. فالطعون المتكررة لا تعكس قوة الملف بقدر ما تكشف هشاشته، خاصة إذا استحضرنا أن محكمة العدل الأوروبية، مهما كان وزنها المؤسساتي، لا تملك سلطة منح صفة دولية لكيان غير معترف به، ولا صلاحية إعادة تشكيل الوقائع السياسية خارج منطق الشرعية الدولية.
ولذلك، غالباً ما تصطدم هذه الطعون بسقف سياسي وقانوني أعلى من قدرة أصحابها على تجاوزه. فالقضية لا تُحسم داخل نصوص قانونية تُقرأ خارج سياقها، بل ضمن منظومة دولية تحكمها موازين الاعتراف، والاستقرار، والمصالح المتبادلة بين الدول والمؤسسات. وهو ما يفسر محدودية الأثر العملي لهذه الدعاوى، رغم الضجيج الإعلامي الذي يرافقها.
ويجمع عدد من المتابعين على أن هذا الإصرار القضائي لا يمكن فصله عن التراجع المتواصل لموقع البوليساريو في المعادلة الإقليمية والدولية. فتنـامي الاعتراف بمغربية الصحراء، واتساع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي بوصفها حلاً واقعياً وذا مصداقية، جعلا هذا الكيان يعيش سلسلة من النكسات الدبلوماسية، تدفعه في كل مرة إلى افتعال معارك جانبية ذات طابع رمزي لتعويض خسائره السياسية.
كما أن الرهان على القضاء الأوروبي يعكس سوء تقدير لطبيعة العلاقات الدولية وحدود الاختصاص القضائي. فالاتفاقيات المغربية-الأوروبية ليست وثائق تقنية معزولة، بل ثمرة خيارات سيادية ومسارات تفاوضية تعكس مصالح مشتركة بين أطراف معترف بها دولياً. ومن ثم، فإن الطعون التي تفتقر إلى سند تمثيلي واضح أو اعتراف قانوني دولي، تظل محكومة بضيق أفقها وعجزها عن المساس بجوهر هذه الشراكات الاستراتيجية.
في المقابل، نجح المغرب في إعادة توجيه النقاش من شعارات فضفاضة حول “التمثيلية” إلى معايير عملية وملموسة، تقوم على إشراك الساكنة المحلية، واحترام آليات الشرعية الديمقراطية، وربط السيادة بالتنمية والاستثمار. هذا التحول جعل الأطروحة المغربية أكثر تماسكا، لأنها تستند إلى الواقع الميداني ومصالح السكان، لا إلى تأويلات قانونية معزولة عن السياق الدولي العام.
واستثمر المغرب هذا الجدل لتعزيز موقعه المؤسساتي والدبلوماسي، من خلال إبراز دور المنتخبين المحليين في الأقاليم الجنوبية، وتسليط الضوء على حجم المشاريع التنموية والاستثمارات التي تشهدها المنطقة. وهو ما منح المقاربة المغربية بعداً إضافياً، يجمع بين الشرعية القانونية والشرعية الميدانية، وبين الخطاب السياسي والإنجاز التنموي.
وعليه، فإن استمرار البوليساريو في رفع الطعون القضائية ، لا يعدو أن يكون علامة على انسداد الأفق أمام مشروع استنفد أدواته السياسية والدبلوماسية، وأصبح يراهن على معارك قانونية شكلية سرعان ما تصطدم بواقع الاعتراف الدولي ومنطق الاستقرار. وفي النهاية، يتأكد أن الحل لا يُصنع داخل أروقة المحاكم، بل عبر الواقعية السياسية، واحترام سيادة الدول، وتغليب منطق التنمية والسلام على أوهام الإنكار والمواجهة العقيمة.








