هاشــم الخياطــي
في المدن التي تحترم مواطنيها، لا تُقاس جودة التدبير بعدد المشاريع المعلن عنها أو بحجم الشعارات المرفوعة، بل بأبسط الخدمات التي تلامس الحياة اليومية للناس. وعندما تصبح الإنارة العمومية، وهي من أبجديات المرافق الحضرية، مطلبا مستعجلا بدل أن تكون حقا مضمونا، فإن الأمر لا يتعلق بعطب تقني عابر، بل بمؤشر واضح على خلل في ترتيب الأولويات وفشل في تدبير الشأن المحلي.
هذا هو الواقع الذي تعيشه مكناس، حيث تتحول المدينة، مع غروب الشمس، إلى فسيفساء من البقع المظلمة. أحياء بكاملها تغرق في العتمة، وأزقة تفتقد إلى الحد الأدنى من الإنارة، وسكان يضطرون إلى خوض رحلة يومية وسط الخوف والقلق، في مشهد لا ينسجم مع مدينة عريقة يفترض أنها تسير في اتجاه التحديث وتحسين جودة العيش.
ولم يعد الحديث عن انقطاع مصباح هنا أو عطب عمود هناك، بل عن ظاهرة اتسعت رقعتها حتى شملت أحياء شعبية وأخرى حديثة، فضلا عن المناطق الهامشية وشبه الحضرية. فالأعطاب تتراكم، وطلبات الإصلاح تتكرر، بينما يبقى التدخل بطيئا أو غائبا، وكأن الظلام قدر كتب على سكان هذه الأحياء.
والأخطر أن غياب الإنارة لا ينعكس فقط على جمالية الفضاء العام، بل يفتح الباب أمام تداعيات أمنية واجتماعية خطيرة. فكل شارع مظلم يصبح مصدر خوف، وكل زقاق غير مضاء يتحول إلى فضاء مقلق للمارة، خصوصا النساء وكبار السن والعمال الذين تفرض عليهم ظروفهم التنقل في ساعات متأخرة. وهكذا يجد المواطن نفسه يدفع ثمن خدمة يؤدي مقابلها الضرائب والرسوم، دون أن يحصل عليها بالحد الأدنى المطلوب.
وتكشف شكاوى السكان أن الأزمة لم تعد استثناء، بل أصبحت القاعدة في عدد كبير من أحياء المدينة، من سيدي عمرو والمدينة العتيقة وبني امحمد وسباتة واتواركة والزيتون وسيدي بوزكري ومرجانات الخمس والنعيم والمنصور وكاميليا، إلى شوارع وأزقة تقع على مرمى حجر من مقر الجماعة نفسها. وإذا كان الظلام قد وصل إلى محيط المؤسسات المنتخبة، فكيف هو الحال في الأحياء البعيدة عن مركز القرار؟
ولا يخفي كثير من المواطنين شعورهم بأن تدبير هذا القطاع يفتقر إلى العدالة والنجاعة، إذ يرون أن بعض الأحياء تحظى بإصلاحات متكررة، بينما تبقى أخرى خارج دائرة الاهتمام، في مشهد يغذي الإحساس بالتمييز ويطرح علامات استفهام حول معايير توزيع التدخلات، خصوصا عندما تقترب المواعيد الانتخابية.
إن الإنارة العمومية ليست ترفا عمرانيا ولا عنصرا تجميليا يمكن الاستغناء عنه، بل هي حق أساسي يرتبط بالأمن والتنقل والكرامة. لذلك فإن استمرار هذا الوضع لا يمكن تبريره بنقص الإمكانيات أو تعقيدات المساطر، لأن ما ينتظره سكان مكناس ليس المزيد من الوعود أو البلاغات، وإنما أعمدة إنارة تعمل، وشوارع آمنة، وإدارة تتحمل مسؤوليتها كاملة.
لقد آن الأوان لأن تدرك الجهات المسؤولة أن المدينة لا تُدار في وضح النهار فقط، بل تُختبر كفاءة مسؤوليها عندما يحل الليل. وإذا بقيت مكناس تغرق كل مساء في العتمة، فإن الظلام لن يكون مجرد غياب للضوء، بل عنوانا صارخا لغياب الحكامة، وتراجعا في أبسط مقومات الحق في مدينة آمنة تحفظ كرامة ساكنتها.










