بقلم: محمد العربي القباج
كلما عادت الانتخابات إلى واجهة النقاش السياسي المغربي، يعود معها اسم الزعيم علال الفاسي باعتباره واحداً من أبرز رجال الحركة الوطنية ، الذين ربطوا العمل السياسي بقيم المسؤولية والحرية واحترام إرادة الشعب. ولذلك فإن استحضار مواقفه من الانتخابات اليوم ليس مجرد استرجاع للتاريخ، بل مناسبة لطرح أسئلة حول معنى الديمقراطية ومصداقية التمثيلية السياسية.
في مقاله الشهير «الديمقراطية خلق» المنشور سنة 1962، رفض علال الفاسي اختزال الديمقراطية في الانتخابات والمجالس المنتخبة، مؤكداً أن وجود الانتخابات لا يكفي وحده، بل لا بد من الحرية والمساواة وإتاحة الفرصة للجميع. كما دعا إلى قبول حكم الشعب عندما يعلن اختياره، والاحتكام إلى القانون والمؤسسات عند وجود نزاع.
وهذه الفكرة تضع الانتخابات في مكانها الصحيح: الصندوق وسيلة للتعبير عن الإرادة الشعبية، وليس غاية في حد ذاته.
كان علال الفاسي ينبه إلى خطورة الاكتفاء بالمظاهر الديمقراطية دون مضمون حقيقي. فالانتخابات تكون ذات قيمة عندما يستطيع المواطن اختيار من يمثله بحرية، وعندما تتوفر للأحزاب والمرشحين شروط المنافسة العادلة، وعندما يشعر الناخب بأن صوته له معنى وأن ممثله سيظل مسؤولاً أمامه بعد انتهاء الاقتراع.
ومن هنا، فإن الديمقراطية لا تبدأ يوم التصويت ولا تنتهي بإعلان النتائج؛ بل تشمل ما قبل الانتخابات وما بعدها، اختيار المرشحين، البرامج، الحملة الانتخابية، نزاهة الاقتراع، مراقبة النتائج، ثم أداء المنتخبين ومحاسبتهم.
تأتي انتخابات 23 شتنبر 2026 في سياق سياسي يحتاج إلى قراءة هادئة. فالمواطن لم يعد يريد فقط معرفة الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد، وإنما يريد أن يعرف ماذا ستغير الانتخابات في حياته اليومية، وهل ستتحول البرامج والوعود إلى سياسات وقرارات ملموسة.
والنقد المشروع لهذه الانتخابات لا ينبغي أن يتحول إلى رفض شامل لنتائجها، كما لا ينبغي أن يمنع من طرح الأسئلة حول تكافؤ الفرص، ونوعية الحملات الانتخابية، وتأثير المال والنفوذ، وقدرة الأحزاب على تقديم برامج واضحة ومقنعة، ومدى ارتباط المنتخبين بقضايا المواطنين بعد الوصول إلى المؤسسات.
كما أن النقاش الذي سبق استحقاق 2026 حول انتقال عدد من البرلمانيين بين الأحزاب أثار بدوره سؤالاً حول استقرار الانتماء السياسي وعلاقة المنتخب بالناخب والحزب. وقد أشار تحليل منشور في أغسطس 2026، استناداً إلى قرارات للمحكمة الدستورية، إلى 29 عضواً شملتهم حركة انتقالات حزبية قبل موعد الانتخابات.
هذه الواقعة لا تكفي وحدها لإصدار حكم شامل على الانتخابات، لكنها تبرر طرح سؤال أعمق: هل يشعر المواطن أن صوته يمنح تفويضاً سياسياً واضحاً، أم أن جزءاً من الخريطة السياسية يمكن أن يتغير قبل أو بعد الانتخابات بفعل انتقالات وتحالفات لا تكون دائماً واضحة للناخب؟
لو استحضرنا مبادئ علال الفاسي دون ادعاء معرفة موقفه من أحداث لم يعشها، لوجدنا أن أسئلته حول الديمقراطية تظل ذات راهنية.
فهو لم يكن يعتبر الانتخابات مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، بل جزءاً من ثقافة سياسية تقوم على الحرية والمساواة واحترام المواطن. وكان يحذر من أن تصبح الديمقراطية مجرد شكل، بينما يغيب مضمونها الأخلاقي والسياسي.
ومن هذا المنطلق، فإن السؤال بعد انتخابات 2026 ليس فقط: من فاز؟ بل أيضاً:
هل كانت المنافسة السياسية قائمة على البرامج أم على الأشخاص؟
هل تمكن المواطن من المقارنة بين البدائل السياسية بوضوح؟
هل حافظت الأحزاب على مصداقية وعودها؟
هل يشعر الناخب أن المنتخب أصبح ممثلاً له بالفعل؟
وهل ستتم محاسبة الفائزين على ما وعدوا به كما تتم مساءلتهم على نتائج الانتخابات؟
المواطن لا يريد صندوقاً فقط
أكبر تحد أمام الديمقراطية المغربية اليوم هو استعادة الثقة. فالانتخابات قد تمنح الشرعية المؤسساتية للمنتخب، لكنها لا تضمن وحدها استمرار الثقة الشعبية.
وإذا كان علال الفاسي قد كتب قبل أكثر من ستة عقود أن الديمقراطية تقتضي الحرية والمساواة وإتاحة الفرصة للجميع، فإن مسؤولية الأحزاب اليوم هي ترجمة هذه المبادئ داخل تنظيماتها وفي اختيار مرشحيها وبرامجها وفي علاقتها بالمواطن.
كما أن مسؤولية المنتخب لا تنتهي بالفوز. فالناخب الذي منح صوته ينتظر مقابله السياسي: الدفاع عن مصالحه، الحضور في المؤسسة، مراقبة الحكومة، التشريع، والوفاء بالالتزامات التي قدمت أثناء الحملة.
من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من فكر علال الفاسي أن الفوز الانتخابي لا ينبغي أن يتحول إلى شيك على بياض.
فالناخب يمنح تفويضاً، وليس شيكا على بياض للقرار. والمنتخب مسؤول أمام المواطنين وأمام القانون والمؤسسة التي ينتمي إليها.
وفي المقابل، فإن المعارضة أيضاً مطالبة باحترام نتائج الاقتراع عندما تصبح نهائية وفق القانون، وممارسة دورها الرقابي والنقدي داخل المؤسسات بدل تحويل كل نتيجة لا توافقها إلى أزمة في الشرعية.
وهذا بالضبط ما يجعل الديمقراطية ثقافة وممارسة: الفائز يحترم من لم يصوت له، والخاسر يحترم الإرادة الشعبية، والجميع يحتكم إلى القانون.
إن استحضار علال الفاسي بعد انتخابات 2026 ينبغي ألا يكون مناسبة لتقديس الماضي، وإنما لطرح سؤال المستقبل.
لقد قال علال الفاسي إن الديمقراطية «خلق»، وربطها بالحرية والمساواة واحترام كرامة المواطن وقبول حكم الشعب.
واليوم، وبعد انتخابات 23 شتنبر 2026، يصبح التحدي الحقيقي هو تحويل الشرعية الانتخابية إلى ثقة سياسية، وتحويل البرامج إلى التزامات، والمقاعد إلى مسؤولية، والوعود إلى إنجازات.
فالانتخابات الناجحة ليست فقط تلك التي تعلن نتائجها في نهاية يوم الاقتراع، وإنما تلك التي يشعر المواطن بعدها بأن صوته كان له معنى، وأن ممثله أصبح أكثر قرباً منه، وأن المؤسسات أصبحت أكثر قدرة على معالجة مشاكله.
لقد تغيرت الأزمنة، لكن السؤال الذي طرحه علال الفاسي ما زال قائماً: هل نمارس الديمقراطية كإجراء، أم نعيشها كثقافة وسلوك ومسؤولية؟
وهنا يكمن الامتحان الحقيقي لانتخابات 2026: ليس فقط في عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، وإنما في قدرة المؤسسات والأحزاب والمنتخبين على تحويل نتيجة الصندوق إلى عمل سياسي يعيد للمواطن ثقته في السياسة وفي قيمة صوته.









