مستجدات

قانون المسطرة المدنية الجديد يدخل حيز التنفيذ..

[TOUTES LES ACTUALITÉS]28 أغسطس 2026
قانون المسطرة المدنية الجديد يدخل حيز التنفيذ..

أحكام بـ10 آلاف درهم بلا استئناف والرقمنة تعيد رسم خريطة التقاضي بالمغرب

الأستاذة عبلة بوزكري محامية بهيئة القنيطرة 

دخل قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25 حيز التنفيذ، حاملاً معه تغييرات جوهرية في قواعد التقاضي أمام المحاكم المغربية، وفي مقدمتها إعادة تحديد الحالات التي يمكن فيها للمتقاضين اللجوء إلى الاستئناف، مع اعتماد سقف مالي جديد يجعل عدداً من الأحكام الصادرة في المنازعات محدودة القيمة نهائية على مستوى التقاضي العادي.

ويبرز السقف المحدد في 10 آلاف درهم باعتباره من أهم المستجدات التي ستلامس بشكل مباشر حياة المتقاضين، إذ نصت المادة 30 من القانون الجديد على اختصاص المحاكم الابتدائية بالبت ابتدائياً وانتهائياً، مع مراعاة المقتضيات الخاصة، في الطلبات التي لا تتجاوز قيمتها هذا المبلغ، بينما تظل الأحكام المتعلقة بالطلبات التي تتجاوز 10 آلاف درهم قابلة للاستئناف أمام محاكم الدرجة الثانية.

وبذلك، فإن المتقاضي الذي يخسر دعوى لا تتجاوز قيمتها 10 آلاف درهم لن يكون، كقاعدة عامة، قادراً على نقل النزاع إلى محكمة الاستئناف، ما يعني أن المحكمة الابتدائية ستصبح في هذه الحالات المحطة النهائية للمسار العادي للتقاضي.

ويمتد أثر هذا المقتضى إلى طيف واسع من المنازعات اليومية، من الديون والفواتير إلى الالتزامات المالية والمطالبات المدنية ذات القيمة المحدودة. وبالتالي، يمكن لدعوى للمطالبة بـ8 آلاف أو 10 آلاف درهم أن تنتهي بحكم ابتدائي لا يفتح الباب أمام الاستئناف، وفق الشروط التي حددها القانون.

لكن الحكم النهائي لا يعني انعدام كل إمكانية للطعن. فقد أتاح المشرع، بموجب المادة 32، إمكانية طلب إلغاء الحكم الصادر ابتدائياً وانتهائياً أمام رئيس المحكمة الابتدائية المختصة، داخل أجل 15 يوماً من تاريخ التبليغ، وذلك في حالات محددة حصراً.

وتشمل هذه الحالات خرق قواعد الاختصاص النوعي أو القيمي، والحكم بما لم يطلبه الأطراف أو بأكثر مما طلب، وإغفال البت في أحد الطلبات، فضلاً عن بعض الإشكالات المرتبطة بهوية الأطراف والتبليغ وتناقض أجزاء الحكم، إلى جانب حالات التدليس أثناء سير الدعوى. ويكون القرار الصادر عن رئيس المحكمة بشأن هذا الطلب غير قابل لأي طعن.

ولا يتوقف أثر القانون الجديد عند تحديد عتبة الاستئناف، بل يضع أيضاً قواعد دقيقة لاحتساب قيمة الطلب، باعتبارها عنصراً حاسماً في تحديد طبيعة الحكم وطرق الطعن الممكنة. ويُعتمد في ذلك على المبلغ المجرد الناتج عن آخر مستنتجات المدعي، دون إدخال المصاريف القضائية والفوائد القانونية والغرامات التهديدية والجبائية ضمن عملية الاحتساب.

كما وضع القانون مقتضيات خاصة عندما يتعلق الأمر بتعدد الطلبات أو الأطراف، وهو ما يجعل تحديد القيمة القانونية الدقيقة للنزاع مسألة أساسية بالنسبة للمتقاضي، خصوصاً لمعرفة ما إذا كان الحكم المنتظر سيكون قابلاً للاستئناف أم سيضع حداً للمسار العادي للدعوى.

وفي مستوى آخر من طرق الطعن، حدد القانون سقفاً مالياً يبلغ 30 ألف درهم بالنسبة للطعن بالنقض، بحيث تخرج الأحكام المرتبطة بالطلبات التي لا تتجاوز هذه القيمة من نطاق الطعن بالنقض، وفق الشروط والضوابط القانونية المنظمة لهذه الوسيلة.

وبالتوازي مع إعادة ترتيب درجات التقاضي، يحمل القانون الجديد توجهاً واضحاً نحو رقمنة العدالة، من خلال إتاحة إنجاز عدد من الإجراءات عبر المنصات الإلكترونية، بما في ذلك إيداع المقالات والطلبات والطعون والمذكرات والوثائق، وأداء الرسوم القضائية، فضلاً عن إجراءات مرتبطة بالتبليغ والتنفيذ.

كما أدخل النص مقتضيات جديدة في مجال التبليغ، من بينها الاستناد إلى المعطيات المرتبطة بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية في حالات محددة، إلى جانب تنظيم الجلسات عن بعد وإدماج الوسائل الرقمية في إجراءات التنفيذ، بما فيها المشاركة عن بعد في المزادات العلنية وفق الشروط القانونية والتنظيمية المعمول بها.

ويأتي دخول القانون حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026، بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.07 الصادر في 11 فبراير 2026، بعدما نصت المادة 643 على دخوله حيز التطبيق بعد مرور ستة أشهر على تاريخ نشره.

وفي المقابل، حرص المشرع على وضع مقتضيات انتقالية لتفادي المساس بالإجراءات التي تمت بشكل صحيح في ظل القانون السابق. وتنص المادة 641 على استمرار آثار كل إجراء أنجز بصورة صحيحة قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، ما لم يوجد نص مخالف، فيما تضمنت المادة 643 أحكاماً خاصة بالقضايا التي كانت جاهزة للحكم قبل بدء تطبيق المقتضيات الجديدة.

وبدخول قانون المسطرة المدنية الجديد حيز التنفيذ، أصبحت قيمة الطلب وتاريخ القضية وطبيعة النزاع عناصر أكثر أهمية في تحديد المسار الذي ستسلكه الدعوى ودرجات التقاضي المتاحة أمام أصحابها.

ويعكس اعتماد سقف 10 آلاف درهم بالنسبة للاستئناف توجهاً تشريعياً نحو تسريع البت في المنازعات محدودة القيمة وتقليص الضغط على محاكم الدرجة الثانية، لكنه في الوقت نفسه يرفع من أهمية المرحلة الابتدائية، إذ يصبح الحكم الصادر في القضايا الواقعة ضمن هذا السقف، كأصل عام، نهاية للمسار العادي للتقاضي من حيث الاستئناف.

وهكذا، لا يتعلق الأمر بمجرد تعديل تقني في قانون المسطرة المدنية، بل بتحول يمس بصورة مباشرة طريقة ولوج المواطنين إلى العدالة، ويجعل معرفة قيمة الدعوى وطرق الطعن المتاحة منذ البداية أمراً بالغ الأهمية لكل متقاضٍ، خصوصاً في النزاعات المالية التي تبدو محدودة القيمة لكنها قد تكون ذات أثر كبير على أصحابها.

 

الاخبار العاجلة