هاشــم الخياطــي
في الأنظمة الديمقراطية، لا تُقاس قوة البرلمان بعدد القوانين التي يصادق عليها، بل بقدرته على مراقبة السلطة التنفيذية، ومحاسبة المسؤولين، ورفض كل نص قانوني من شأنه إضعاف آليات الشفافية والنزاهة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا يعني أن يرفض البرلمان التصويت بالرفض على قانون يُجرّم التبليغ عن الفساد، وأن يُجمّد قانون الإثراء غير المشروع، وأن تُعطّل آلية تشكيل لجان تقصي الحقائق خوفاً من نتائجها؟
عندما يصبح المبلّغ عن الفساد مهدداً، بينما يشعر الفاسد بالأمان، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع تكون خطيرة: الصمت أفضل من كشف الحقيقة. فالتبليغ عن الفساد ليس جريمة، بل واجب وطني وأخلاقي، وهو أحد أهم الأسلحة التي تعتمدها الدول الحديثة لحماية المال العام وترسيخ الثقة في المؤسسات.
أما تجميد قانون الإثراء غير المشروع، فهو يطرح بدوره علامات استفهام كبيرة. فإذا كان المسؤول العمومي لا يخشى مساءلة حول تضخم ثروته، فما الذي يمنع تضارب المصالح واستغلال النفوذ؟ إن تجريم الإثراء غير المشروع ليس موجهاً ضد المسؤول النزيه، بل يحميه من الشبهات، ويجعل من تحمل المسؤولية تكليفاً لا وسيلة للإثراء.
ولا يقل خطورة عن ذلك تعطيل تشكيل لجان تقصي الحقائق، وهي الآلية الدستورية التي تمكّن البرلمان من كشف الاختلالات في تدبير الشأن العام. فعندما تُمنع هذه اللجان من أداء دورها، يفقد البرلمان إحدى أهم أدوات الرقابة، ويتحول من سلطة للمحاسبة إلى مؤسسة تكتفي بالمصادقة والتصفيق.
إن محاربة الفساد لا تتحقق بالشعارات ولا بالخطابات، وإنما بإرادة سياسية تترجم إلى قوانين صارمة وآليات رقابة فعالة. وكل تراجع عن هذه الأدوات يبعث برسالة سلبية إلى المواطنين، مفادها أن حماية الفساد قد أصبحت أقوى من محاربته.
إن الرأي العام اليوم لا ينتظر فقط إصدار القوانين، بل ينتظر أيضاً مواقف واضحة وشجاعة من ممثلي الأمة. فالبرلمان الذي يعجز عن قول “لا” عندما يتعلق الأمر بحماية النزاهة، يضع نفسه أمام امتحان الثقة والمصداقية.
ويبقى السؤال معلقاً: هل يخشى البعض من كشف الحقيقة، أم أن معركة مكافحة الفساد ما تزال تصطدم بحسابات سياسية ومصالح ضيقة؟ الإجابة لن تكون في التصريحات، بل في المواقف والتصويتات، لأن التاريخ لا يذكر الشعارات، بل يسجل من وقف مع الشفافية… ومن اختار الصمت.
وما راي الحكومة في هذا الموضوع
إذا كان المقصود هو الموقف العام للحكومة المغربية من هذه القضايا، فيمكن تلخيصه على النحو الآتي:
تؤكد الحكومة في تصريحاتها الرسمية أنها ملتزمة بمحاربة الفساد وتعزيز الحكامة الجيدة، وتعتبر أن الإصلاح القانوني يجب أن يحقق التوازن بين حماية المال العام وضمان الأمن القانوني للمسؤولين والموظفين، حتى لا يؤدي الخوف من المتابعة إلى تعطيل الاستثمار أو اتخاذ القرار الإداري.
وفيما يتعلق ببعض الملفات المثيرة للجدل:
ــ قانون الإثراء غير المشروع: بررت الحكومة سحب أو تجميد مقتضياته بوجود ملاحظات قانونية ودستورية، وبالحاجة إلى صياغة نص أكثر انسجاماً مع قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
ــ التبليغ عن الفساد: تؤكد الحكومة أنها لا تستهدف المبلغين بحسن نية، وإنما تسعى إلى التصدي للبلاغات الكيدية أو الوشايات التي قد تسيء إلى الأشخاص دون أدلة.
ــ لجان تقصي الحقائق: ترى الحكومة أن تشكيل هذه اللجان يبقى من اختصاص البرلمان، وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها الدستور والنظام الداخلي للمجلسين، وليس قراراً حكومياً مباشراً.
في المقابل، ترى أحزاب معارضة وهيئات حقوقية وجمعيات مدنية أن هذه التبريرات غير كافية، وتعتبر أن تجميد بعض النصوص أو عدم تفعيل آليات الرقابة يضعف جهود مكافحة الفساد ويبعث برسائل سلبية بشأن ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وبذلك، فإن الجدل لا يدور حول مبدأ محاربة الفساد، إذ تعلن جميع الأطراف تأييدها له، وإنما حول الوسائل القانونية والسياسية التي ينبغي اعتمادها لتحقيق هذا الهدف، ومدى فعالية الإجراءات الحالية في تعزيز الشفافية والمساءلة.










