هاشــم الخياطــي
ليس الموت دائمًا نهاية، أحيانًا يكون درسًا قاسيًا في فنّ الحياة. داخل كلّ واحدٍ منّا أشياء ماتت بصمت: أحلامٌ لم تكتمل، علاقاتٌ استنزفت دفئها، ثقةٌ مُنحت في غير موضعها، وبراءةٌ غادرت دون استئذان. ومع ذلك، لم تكن تلك الخسارات عبثية، بل كانت محطاتٍ شكّلت وعينا وغيّرت طريقتنا في النظر إلى أنفسنا والعالم.
ماتت فينا أوهامٌ كنا نعتقد أنها حقائق. تعلّمنا متأخرين أن بعض الوعود لا تُقال لتُنفّذ، وأن بعض الكلمات لا تحمل وزنها الحقيقي. سقطت الأقنعة، فانكشفت وجوهٌ ظنناها ملاذًا، فإذا بها درسٌ في الحذر. عندها فقط، بدأنا نفهم أن الثقة لا تُمنح بالجملة، وأن القرب لا يُقاس بالمسافة بل بالصدق.
ومع كل خيبة، مات شيء من الطيبة الساذجة، لكنه خلّف مكانه حكمة. لم نعد نندفع كما كنّا، ولم نعد نراهن على الجميع. صرنا نختار، نُصغي لحدسنا، ونمنح وقتنا لمن يستحقه. هكذا تعلّمنا أن الحفاظ على الذات ليس أنانية، بل ضرورة.
ماتت أحلامٌ كبيرة، نعم، لكن موتها علّمنا أن نعيد ترتيب أحلامنا على مقاس الواقع دون أن نفقد روح الطموح. أدركنا أن الطريق ليس مستقيمًا دائمًا، وأن التعثّر لا يعني الفشل، بل يعني أن ننهض بطريقةٍ أذكى. من تحت الركام، وُلدت أحلامٌ أصغر، لكنها أكثر صدقًا وقابلية للحياة.
حتى الألم، حين طال، قتل فينا القدرة على الشكوى المستمرة. صار الصمت أبلغ، والصبر خيارًا واعيًا لا استسلامًا. تعلّمنا أن بعض المعارك لا تُخاض، وأن الانسحاب أحيانًا انتصارٌ مؤجّل. تعلّمنا أن نغفر، لا لأن الآخرين يستحقون، بل لأن قلوبنا تستحق السلام.
هكذا، من موتٍ داخليٍّ متكرر، تعلّمنا كيف نحيا. صرنا أخفّ، أعمق، وأكثر قربًا من حقيقتنا. لم نعد كما كنّا، وهذا مكسب. فالأشياء التي ماتت داخلنا لم تذهب سُدى؛ لقد تركت لنا خرائطَ للنجاة، ودروسًا لا تُدرّس، وقوةً لا تُرى… لكنها تُحسّ في كل خطوةٍ نخطوها بثباتٍ أكبر نحو الحياة.










