والمغرب أمام اختبار التكنولوجيا الجديدة
دخلت إسبانيا مرحلة جديدة في مراقبة حركة السير، مع شروع هيئة المرور الإسبانية في اعتماد جيل متطور من الرادارات المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وهي أجهزة لم تعد مهمتها تقتصر على رصد السرعة، بل أصبحت قادرة على تحليل عدد من سلوكيات القيادة الخطرة ورصد المخالفات بشكل متزامن.
وتعتمد المنظومة الجديدة على كاميرات عالية الدقة وخوارزميات متطورة لتحليل الصور، بما يسمح برصد مخالفات كان من الصعب ضبطها بواسطة الرادارات التقليدية، من بينها استعمال الهاتف أثناء القيادة، وعدم وضع حزام السلامة، وتجاوز الخط المتصل، وقطع الإشارة الحمراء، فضلاً عن بعض المناورات الخطرة أثناء الاندماج في الطرق السريعة.
وتكمن إحدى أبرز نقاط قوة هذه التكنولوجيا في اعتماد جزء من الرادارات على أنظمة متنقلة، بحيث يمكن تغيير مواقعها بشكل دوري، الأمر الذي يصعّب على السائقين معرفة أماكن وجودها مسبقاً أو الاعتياد على تفاديها. وبذلك تسعى السلطات إلى الحد من سلوكيات مثل خفض السرعة بشكل مفاجئ عند الاقتراب من الرادارات المعروفة، ثم العودة إلى السرعة السابقة بعد تجاوزها.
ولا تقتصر قدرات هذه الأجهزة على مراقبة السرعة، التي يمكنها رصدها ضمن نطاق واسع، بل تجمع في الوقت نفسه بين التعرف الآني على لوحات ترقيم السيارات، ومراقبة عدة مسارات مرورية، وتوثيق المخالفات بالصور. وبعد تسجيل المخالفة، تخضع المعطيات لمراجعة بشرية قبل اعتمادها بشكل نهائي، في محاولة للجمع بين قوة التكنولوجيا ودقة التحقق البشري.
وبهذا التحول، لم يعد الرادار مجرد جهاز لقياس السرعة، وإنما أصبح جزءاً من منظومة متكاملة لمراقبة السلوك المروري، تعتمد على تحليل الصور والبيانات لرصد أنماط القيادة التي قد تشكل خطراً على مستعملي الطريق.
المغرب أمام تحدي الجيل الجديد من المراقبة
وتطرح هذه التطورات الإسبانية سؤالاً حول مدى استعداد المغرب للانتقال بدوره إلى جيل أكثر تطوراً من المراقبة الطرقية، خصوصاً في ظل اعتماد المملكة منذ سنوات على أجهزة الرادار لمراقبة السرعة وتوثيق عدد كبير من المخالفات.
وقد يشكل إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في هذا المجال، مستقبلاً، نقلة إضافية في منظومة السلامة الطرقية، من خلال توسيع نطاق المراقبة ليشمل سلوك السائق داخل المركبة، وليس فقط السرعة التي يسير بها.
ومن شأن تقنيات قادرة على رصد استعمال الهاتف، وعدم وضع حزام السلامة، وبعض التجاوزات والمناورات الخطرة، أن تمنح السلطات أدوات إضافية للتعامل مع الأسباب السلوكية للحوادث، إلى جانب مراقبة السرعة.
وتأتي هذه التطورات في وقت ما تزال فيه حوادث السير تشكل تحدياً كبيراً للسلامة الطرقية في المغرب، وهو ما يجعل الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، إلى جانب التوعية وتطبيق القانون وتحسين البنية التحتية، أحد المسارات التي يمكن أن تساهم في الحد من المخالفات والحوادث.
كما أن التجربة المغربية في استخدام الرادارات وتوسيع نطاق المراقبة الإلكترونية أظهرت قدرة هذه الوسائل على رصد أعداد كبيرة من المخالفات، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تنتقل فيها المراقبة من مجرد «رصد السرعة» إلى «تحليل سلوك القيادة».
ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى منظومات المراقبة الطرقية في أوروبا، يبدو أن مستقبل السلامة على الطرق لن يعتمد فقط على سؤال: كم كانت سرعة السيارة؟، بل سيتجه نحو سؤال أكثر شمولاً: كيف كان السائق يقودها؟








