هاشــم الخياطي
بدايةً، نعترف أننا نَقصِر في حقّك حين نحاول أن نحدّ من اتساع حضورك في حياتنا، ونصرّ على أن نحدّق فيك بعيونٍ لا تعترف إلا بالانتصار. كم نحن جريؤون — أو كم نحن سُذّج — حين خرجنا في وقفات احتجاجية نطلُب سقوطك بصيحاتٍ مدوّية، وكأنك شيءٌ خارجي يمكن سحبه من داخلنا كقشةٍ عالقة! يا لها من مبالغةٍ في السذاجة: نطالب بسقوطك وأنت قطعةٌ منا، أوكسجينُ أنفاسنا وملحُ أطباقنا، تاجٌ على رؤوسٍ لا ترى إلا جعلتها عُراة أمام فضائح الزمن.
أيها الفساد العزيز، نلتمس منك اليوم بعض التفهّم قبل اللوم. لا نطلب التسامح الكامل — فالتسامح فعلٌ عظيم — بل نرجو منك أن تُغمِض عينك عن حمقنا وبلادتنا، وأن تغفر زلاتٍ رددناها حين رفعنا شعاراتٍ عاطفية: «الشّعْب يريد إسقاط الفساد». ذلك الشعار، الذي بدا لنا في لحظةٍ من الهذيان السياسي كمنقذٍ سحري، لم يزل حتى اليوم يفضح ضعفنا في تمييز العدو الحقيقي من مرآتنا المعتمة.
منذ يومٍ مشؤوم في ربيع 2011، يوم العشرين من فبراير، وهتافاتنا تُجرّ صدى لا نعرف له نهاية. شتمناك بألف لسان، وصفّقنا لأنفسنا حين ظننا أننا نُحَرِّر الوطن منك بحروفٍ على لافتاتٍ مهترئة. كنا ولا زلنا نهرول في الشوارع، وأصواتنا تلهث من فرط الحماس، كأننا نحمل خاتم سليمان الذي سيقضي عليك دفعةً واحدة. يا لها من أوهامٍ جميلة وباهتة!
لكن، وللحق، من سقط هم نحن وليس أنت. بعد أن تبخرت هذه الحماسة، اكتشفنا أن ما نلناه هو فقدانُ الصوت وحدته، ووجدنا بعضنا ذاهبًا للطبيب والدواء أكثر من ذهابنا إلى الإصلاح الحقيقي. مزحةٌ قد تكون مُرّة، لكنها حقيقية: الربح الأكبر من مظاهراتنا ذهبت إلى من لا نريدهم شركاء في هذه المحنة — أطباءٌ وصيادلة!
حبيبنا الفساد، لنكُن صادقين: لم نخرج كلها من أنفسنا. كانت هناك ألسنةٌ سامةٌ وسردياتٌ جاهزةٌ تُحمِّلك مسؤولية كلِّ الدهر: منك الفساد في الصحة، والتعليم، والإدارة، والمحسوبية والزبونية في كل شيء، ومنك سرّ البيداغوجيا الضائعة. وحُمِّلْتَ وزر ما فعله فقراءنا حين أدخلوا أيديهم في جيوبهم ليصنعوا «هديةً صغيرة» هنا أو هناك. ألم يعد واضحًا أن الفساد يستفيد من فقرٍ وتهميشٍ وسلطةٍ بلا مساءلة؟ هل أنت من يوجه المسدس في وجه المواطن ليُعطي الرشوة أم أنت من يستثمر ضعف الأنظمة ليتغذى على فشلها؟
كنا أيضًا جامحين في سلخنا عن العلماء والدعاة، متهمين إياهم بالسكوت عن الحق في خطب الجمعة . وها هم، في كثير من الأحيان، يظهرون على نحوٍ آخر: يفتي أحدهم بما يخفف عن الناس أعباء حياتهم ولا يتورع آخر عن تذكير الناس بالاستقامة والصبر والصلاة. ومرةً أُفتٍ بجُرأةٍ قد تبدو غريبة، وأخرى بكلماتٍ تحثّ على الصبر على الظلم باعتباره طريقًا لصبْرٍ لا يُعرف إن كان مكافأةً أم استسلامًا. أين نحن هنا؟ في ساحات الثورة أم في ساحات الصبر والتسليم؟
أيها الفساد الموقر، نحبك — لا نخفي محبةً قد تكون غريبة، بل مزيجٌ من خوفٍ وراحةٍ. بعد عواصفنا الهوجاء عدنا إلى روتيننا، ووجدنا أن بعض الذين كانوا يهتفون ضدك باتوا أصدقاءً حميمين لك. هذا الانقلاب في الولاء يفضح هشاشة خطابنا وعمق تخلّينا عن أدوات الإصلاح المستدامة.
ولذلك نكتب إليك اليوم اعترافًا مرًّا: إنما نحن من جعلناك عظيماً. نحن من منحك بُنى الحماية، وغضّ الطرف، والروتين البيروقراطي الذي يسمح لك بالتماهي مع مؤسساتنا. نحن من سمح لنفسه بالبيع والشراء بالمبادئ، وتزوير مواعيد الإصلاح، والتسامح مع جيوبٍ تسحب دماء العدالة.
الفساد العظيم ، اليوم لا نسألك أن تهرب، ولا نطلب منك أن تُغادِر. نكتفي بأن تكفّ عن مضاعفة آلامنا، وأن تسمح لنا بأن نعالج أنفسنا من داخلك. إن أردنا أن نبني مجتمعًا كريمًا، فلا سبيل لذلك إلا بإقامة قواعد واضحة: حكم رشيد، مؤسسات مسؤولة، عقوبات رادعة، ومواطنةٌ واعيةٌ لا تبيع ضميرها لقاء راحةٍ مؤقتة. هكذا — لا بإغراق الشوارع بالهتافات وحدها — سنستعيد كرامتنا وتختفي منك الصفة التي غطّت معالمنا.
عزيزنا الفساد، إننا نكتب لك هذا الاعتراف لأننا نريد أن نؤمن بأن التغيير يبدأ عندما نعترف بأخطائنا، لا عندما نلقيها على الآخرين. لذا فلتكن لنا مرآةً لا مرمىً، ولتكن حمايةً لا سيفًا. وإذا رضيت بذلك، فربما نُعيد معًا لهذه الأرض شرفها المفقود.










