تتجه العلاقات الجزائرية الفرنسية نحو مزيد من التصعيد، بعدما أصدرت الجزائر تعليمات لمنتجي اليوريا (صناعات بتروكيماوية) بوقف تصدير هذه المادة إلى فرنسا، في خطوة تعكس اتساع تداعيات الخلاف الدبلوماسي بين البلدين، وانتقاله من التوتر السياسي إلى ضغوط تجارية تطال قطاعات حيوية.
ونقلت وكالة «رويترز» عن خمسة مصادر دبلوماسية وفي قطاع الأسمدة أن السلطات الجزائرية وجهت تعليمات بوقف صادرات اليوريا نحو السوق الفرنسية، فيما أفاد ستة دبلوماسيين فرنسيين وأوروبيين بأن هذه الخطوة تأتي في سياق قيود تجارية أوسع، شملت حظرا غير رسمي شبه شامل على واردات السلع الفرنسية منذ أواخر يوليوز الماضي.
ويضع هذا التطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين أمام اختبار جديد، خصوصا أن باريس لا تواجه فقط قيودا محتملة على تدفق بعض المنتجات الجزائرية، بل تسعى في الوقت ذاته إلى ضمان استمرار إمدادات الطاقة، في ظل مخاوف من اضطراب تموين السوق الفرنسية.
وفي هذا السياق، طلبت فرنسا من الجزائر زيادة شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال في أقرب وقت ممكن، وفق ما أوردته منصة «الطاقة» المتخصصة نقلا عن مصادر مطلعة، في خطوة تكشف عن مفارقة واضحة في العلاقة بين البلدين: تصعيد تجاري من جهة، وحاجة فرنسية إلى تعزيز إمدادات المحروقات الجزائرية من جهة أخرى.
وبحسب المعطيات المتاحة، فإن الجزائر قد تكون قادرة على رفع شحنات النفط الموجهة إلى فرنسا، غير أن زيادة إمدادات الغاز الطبيعي المسال تبدو أكثر تعقيدا، بسبب ارتباطها بالتزامات تعاقدية قائمة لشركة «سوناطراك» تجاه زبائن آخرين، فضلا عن مواعيد التسليم التي يصعب تغييرها في وقت قصير.
ولم تعلن السلطات الجزائرية أو الفرنسية رسميا تفاصيل الاتصالات المتعلقة بالطلب الفرنسي، كما لم تتضح الكميات الإضافية المطلوبة أو الآجال المحددة لتسليمها. ولم تقدم شركة «سوناطراك»، وفق المصدر ذاته، ردا على طلب التعليق بشأن هذه التطورات.
وتظهر بيانات وحدة أبحاث الطاقة، التي استندت إليها منصة «الطاقة»، أن صادرات النفط الجزائري المنقولة بحرا إلى فرنسا ارتفعت إلى نحو 138 ألف برميل يوميا خلال أبريل 2026، مقابل 43 ألف برميل يوميا في مارس من السنة نفسها، بزيادة شهرية تقارب 96 ألف برميل يوميا.
كما سجلت هذه الشحنات ارتفاعا بنسبة 14 في المائة مقارنة بأبريل 2025، حين بلغت نحو 121 ألف برميل يوميا، وهو ما يعكس تنامي تدفقات النفط الجزائري نحو السوق الفرنسية خلال الفترة المعنية.
واستحوذت فرنسا على نحو 15 في المائة من إجمالي صادرات الجزائر النفطية خلال أبريل 2026، المقدرة بحوالي 903 آلاف برميل يوميا، لتتصدر قائمة الوجهات المستوردة للنفط الخام والمشتقات الجزائرية خلال ذلك الشهر.
وخلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، بلغ متوسط صادرات النفط الجزائري إلى فرنسا نحو 95 ألف برميل يوميا، مقابل 92 ألف برميل يوميا خلال الفترة نفسها من سنة 2025، بزيادة تقارب 3.4 في المائة.
وتبرز هذه الأرقام حجم الترابط التجاري في قطاع الطاقة، رغم التوتر السياسي الذي يطبع العلاقات بين باريس والجزائر. فبينما تتجه القيود التجارية نحو التضييق على بعض المبادلات، تظل احتياجات السوق الفرنسية من المحروقات عاملا أساسيا في استمرار الاتصالات بشأن الإمدادات.
وتشير البيانات المتعلقة بالتجارة الفرنسية خلال سنة 2025 إلى أن قيمة واردات فرنسا من النفط الخام الجزائري بلغت نحو 2.537 مليار دولار، مقابل حوالي 1.705 مليار دولار من الغاز الطبيعي المسال، بكميات مقدرة بنحو 4.44 ملايين طن من النفط الخام و2.63 مليون طن من الغاز المسال.
أما الإحصاءات الفرنسية الأحدث، فتظهر أن واردات فرنسا من الجزائر ضمن فئة المحروقات الطبيعية بلغت 3.280 مليارات يورو خلال الفترة الممتدة من شتنبر 2025 إلى غشت 2026، مسجلة تراجعا سنويا بنسبة 16.9 في المائة. وفي المقابل، ارتفعت واردات المنتجات البترولية المكررة إلى 937.3 مليون يورو، بزيادة بلغت 13.2 في المائة.
وتعكس هذه المؤشرات مسارا تجاريا متباينا، لا يمكن اختزاله في اتجاه واحد، لكنها تبرز في الوقت ذاته حساسية المبادلات الطاقية تجاه التحولات السياسية والاقتصادية بين البلدين.
وبين قرار وقف صادرات اليوريا، والقيود المفروضة على الواردات الفرنسية، والمساعي الفرنسية للحصول على كميات إضافية من النفط والغاز، تبدو العلاقات الجزائرية الفرنسية أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات الدبلوماسية بالمصالح الاقتصادية. غير أن مدى تأثير هذه الإجراءات على السوق الفرنسية سيظل رهينا باستمرارها، وحجم المنتجات المعنية، وقدرة باريس على تنويع مصادر التوريد، فضلا عن استعداد الطرفين لتفادي انتقال الخلاف السياسي إلى مواجهة تجارية أوسع.










