
تهميش المبدع والمفكر و العالم في الفضائيات ووسائل الاعلام، لا تدّخر وسعا في اجترار المعالجات السياسية والعقائدية، عبر نجومها ودجاليها المعروفين، فيما يركن الفاعلون الثقافيون والكتاّب وأصحاب الفكر والمبدعون والمهندسون والصناعيون والأطباء ورجال الإعلام، على الهامش، وبات الاهتمام بهم معدوما تماما، في ظاهرة لم يألفها الإعلام العالمي، الذي وإنْ اهتم بالسياسة وأدواتها في نشرات الأخبار، لكنه يعوّض عنها بتناول الجوانب الأخرى في المجتمع لاسيما الثقافية والفكرية منها، في الحوارات، والبرامج، والأبحاث المتنوعة.
يرتبط هذا التهميش، بخلل آخر تمارسه الوزارات والمنظمات والجمعيات، حين تعجز عن مبادرات الحفاوة والتكريم بأدباء وفنانين وشخصيات ثقافية أو فكرية أو إعلامية، وفي الحالة التي تحصل فيها، فإنها لا تتجاوز الاعتراف الشكلي، بدور المثقف أو الفنان أو العالم أو الأكاديمي في احتفاليات طارئة ارتجالية وصدفية، تُمنح فيها هدايا، وصور وشهادات التكريم ،لا تسمن ولا تغني من جوع، فيما الحاجة تتطلب غير ذلك تماما، في التثمين الحقيقي الذي يسعف المبدع في حياته، ويسدّ حاجته، ويجعله منصرفا لإبداعه، وتشجيعه على استمرارية العطاء والإنتاج.
ولن يكون ذلك إلا بالتأسيس إلى قوانين، تجعله في أمن معيشي، معزّز الكرامة، وتتيح له المدخول المادي المناسب ، الذي يمول مصاريف الأبحاث والكتابة والاستقصاء، ويجعله عاكفا على المزيد من الإنتاج، كما ونوعا، فضلا عن ادخار الوقت في الاكتشاف.
لا يتوافر المكرمون على خطة محسوسة واستراتيجية في تكريم الفاعلين في الثقافة والفنون والعلوم والإعلام والفكر، وإذا مثلت فلن تتجاوز كونها، مهرجانات مدح وثناء، ومنطق مجتر، وشهادات افتخار اعتبارية.
مقارنة بتجارب دول أوروبا الغربية، فإنه وإنْ كان حتى المواطن العادي يحوز على الراتب والسكن، فإن المبدع والمبتكر، ينال من الاهتمام، الكثير والاستثنائي، من دون أن يشعر بالعيش على هامش المجتمع ،حتى في تقدمه في السن وتوقفه عن الإنتاج، فيما الوقائع تشير إلى أن مآلات أحوال المبدعين في شتى المجالات، حين يكبرون في السن، مأساوية في بلاده، تكشف عن شعب عقوق لمبدعيه ومثقفيه وعلماءه.ونذهب في تفسير ذلك إلى أبعد من التكريم، وهو التقييم لهؤلاء في المجتمع الذي ينكب على تكريم شخصيات معينة، شكليا فحسب، ويسعى إلى مدحهم في المنابر، ويتداول أفكارهم، من دون التأسيس لمبادرات مجتمعية، تساهم في ديمومة إبداعهم.
وعودة إلى الإعلام الذي جعل من الساسة والأحزاب و”الدجالين” في الحياة والدين ، نجوم تلفزيون، وجعل من الشخصية المغربية تركز عليهم في الاكتراث والمتابعة، فإن واقع الحال يشير إلى أن ذلك أسهم في تسقيطهم بسبب الظهور المجتر، لينقلب السحر على الساحر، ما يستدعي الموازنة في الاهتمام، والعمل على استدراج الرأي العام للترويج للإبداع الإيجابي ،وتكسير التماثيل السياسية التي ابتلى بها الإعلام والعقل الجمعي لعقود طويلة، على حساب بناة المجتمع الحقيقيون وهم المبدعون وأصحاب الخبرة والاختصاص.
وقد كان من نتائج التفريط، أن المبتكر وجد نفسه في منصات ساحات التظاهر، لا منابر الأحزاب والمؤسسات الحكومية ، التي كان يتوجب عليها إغواؤه إليها والاستفادة من مهاراته وإبداعه.
الأمور تتوجّه إلى خلاف مقاصد ترويج الفضائيات والصحف ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي، فما عاد المواطن يعبأ للبهرجة السياسية والإعلامية والثقافية ،والدليل أن أغلب الذين يبرزون في شاشات التلفاز من النخب السياسية، و”الاجتماعية” و”العقائدية”، لا يحظى بالتأييد بين التظاهرات التي أصبحت مكيالا واضحا للرأي الشعبي.
على الدولة بكل مؤسساتها، فسح المجال لدور أكبر للنخب الإبداعية، في تقديم حلول للمعضلات، واستقطاب العينات الثقافية والعلمية والأدبية والاجتماعية والبحثية إلى مشاريع استراتيجية، تخلق فرص العمل، وتضع الحلول للمشاكل، وتبحث في الظواهر، والتأسيس للمعالجات، في عملية انبعاث واسعة للاقتصاد والاجتماع، والصناعة والزراعة والخدمات، فضلا عن أن واجب الأحزاب والتحالفات السياسية يجب أن يركّز على “تطعيم” صفوفها بهم، وتحديث أدواتها بمهاراتهم وخبراتهم وتعمل على تكريمهم بما يليق والخدمات التي أسدوها لوطنهم طوال حياتهمسواء أكانت مهنية أو فنية أو أدبية أو علمية ألخ…………