معركة الوعي المغربي … التحدي الحقيقي
هاشــم الخياطــي
في زمن لم تعد فيه الحروب تُخاض فقط بالأسلحة التقليدية، باتت الفضاءات الرقمية تمثل جبهة متقدمة في صراعات النفوذ والتأثير. وفي هذا السياق، تتحدث تقارير إعلامية دولية وتحليلات خبراء عن تصاعد ما يُعرف بـ“حروب الجيل الخامس”، حيث تصبح المعلومة سلاحاً استراتيجياً، وتتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى أدوات للتوجيه والتشويش.
وفق هذه المعطيات، يُثار جدل واسع حول توظيف الجارة الشرقية لموارد مالية مهمة خلال الأشهر الأولى من سنة 2026 لتنشيط حملات رقمية تستهدف دولاً في المنطقة، وعلى رأسها المغرب. وتُشير التقديرات إلى تخصيص الجزائر ميزانيات ضخمة لتغذية محتوى رقمي يعتمد على الأخبار المضللة والإشاعات، في محاولة للتأثير على الرأي العام وتوجيه النقاشات الافتراضية نحو قضايا معينة.
تشير التحليلات إلى أن هذه الحملات التي تقوم بها الجزائر ، تعتمد على شبكات واسعة من الحسابات المدفوعة الأجر ، بعضها حقيقي والآخر وهمي، تُدار بشكل منظم لخلق تفاعل مصطنع حول مواضيع محددة. ويُعتقد أن آلاف الحسابات تُستخدم بشكل متزامن لنشر روايات متشابهة، ما يمنحها مصداقية زائفة لدى المتابعين.
ولا تقف هذه الاستراتيجية عند حدود بلد واحد، بل تمتد لتشمل عدة دول في شمال وغرب إفريقيا، مثل تونس ومالي وليبيا وموريتانيا، في محاولة لإعادة تشكيل الصورة الإقليمية والتأثير على العلاقات بين شعوب المنطقة.
وتبرز بعض الأحداث الرياضية الكبرى، مثل منافسات كأس إفريقيا،كان 2025 ــ المنظم من طرف المغرب أحسن تنظيم ــ ، اعتمدته الجزائر كنقطة انطلاق لتصعيد هذا النوع من الحملات، حيث يتم استغلال التوترات الجماهيرية لتغذية خطاب الانقسام ونشر روايات متضاربة. هذا التداخل بين الرياضة والسياسة يعكس تحول كل حدث جماهيري إلى فرصة للتأثير الإعلامي واسع النطاق.
يرى مراقبون أن تصاعد هذه الأنشطة الرقمية قد يرتبط بمحاولة نظام الكابرانات صرف الأنظار عن تحديات داخلية متزايدة، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي. فحين تتراكم الأزمات، يصبح “العدو الخارجي” أداة جاهزة لإعادة توجيه النقاش العام.
وفي هذا الإطار، تعود إلى الواجهة اتهامات سابقة تتعلق باستخدام وسائل ضغط غير تقليدية في العلاقات الدولية، بما في ذلك التأثير على مؤسسات خارجية أو توظيف الإعلام الدولي لخدمة أجندات سياسية نابعة من القوى الضاربة في الوحل.
من أبرز مظاهر هذه الحرب الرقمية ما يُعرف عند الجزائرين وغيرهم بـ“الذباب الإلكتروني”، وهو استخدام حسابات وهمية أو مدارة مركزياً لبث رسائل معينة بشكل مكثف. وتكشف بعض التسريبات المتداولة عن محاولات منظمة من طرف الجزائر لإنشاء آلاف الحسابات بأسماء محلية، بهدف إثارة الانقسام الداخلي في بعض البلدان المجاورة ، والتشكيك في الإنجازات، وخلق صراعات افتراضية بين فئات المجتمع.
كما يتم استهداف شخصيات إعلامية ونشطاء، عبر حملات تشويه ممنهجة، تعتمد على إعادة نشر محتويات سلبية وتضخيمها، في محاولة لإضعاف مصداقيتهم أمام الرأي العام.
في ظل هذا الواقع، لم تعد المواجهة تقتصر على الحكومات، بل أصبحت مسؤولية مشتركة تشمل الأفراد والمؤسسات الإعلامية. فالتدقيق في الأخبار، والتحقق من المصادر، والوعي بأساليب التلاعب الرقمي، كلها عناصر أساسية في مواجهة هذا النوع من الحروب التي يتصدى لها المغاربة الأحرار بقوة وعزيمة للدفاع عن وطنهم الأبي.
إن ما يجري اليوم يؤكد أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط على الأرض، بل في العقول الضعيفة. وبين الحقيقة والتضليل، يبقى الوعي المغربي هو السلاح الأقوى في زمن أصبحت فيه المعلومة أخطر من الرصاصة.









