هاشــم الخياطــي
مع اقتراب الانتخابات، لا تحتاج الأحياء المغربية إلى نشرات جوية لمعرفة تغيّر الفصول؛ فمجرد ظهور بعض الوجوه السياسية كفيل بالإعلان رسميًا عن دخول “موسم الانتخابات”. وجوه اختفت لسنوات، وكأنها كانت في بعثة علمية لدراسة كوكب آخر، تعود فجأة وهي تحمل حقيبة مليئة بالابتسامات، والوعود الجاهزة للاستعمال الفوري… مع تاريخ انتهاء صلاحية غير مُعلن.
في هذه الفترة تحديدًا، تتحول الأزقة إلى مسارح مفتوحة، حيث يؤدي “المرشح العائد من الغياب” دوره بإتقان: مصافحة هنا، ربتة على الكتف هناك، وربما جولة استطلاعية مفاجئة لاكتشاف أن الحي ما زال يعاني من نفس المشاكل التي “تفاجأ” بها منذ آخر انتخابات. المفاجأة، بطبيعة الحال، تكون دائمًا مدروسة بعناية.
أما “الكائنات الانتخابية” – وهو الاسم الشعبي الذي يبدو أنه أكثر دقة من أي توصيف علمي – فهي نوع نادر لا يظهر إلا كل بضع سنوات. يتميز بقدرته الخارقة على التكيّف السريع: يتحدث بلغة الشباب أمام الشباب، وبنبرة الحكمة أمام الكبار، ويعد الجميع بكل شيء… في نفس الوقت. كائن متعدد الوعود، محدود الإنجاز.
المفارقة أن هذه الزيارات تُقدَّم على أنها “سياسة القرب”، بينما هي في الواقع أقرب إلى “سياسة المرور الخاطف”. حضور سريع، صور تذكارية، وربما منشور على مواقع التواصل يؤكد أن “المرشح في الميدان”… قبل أن يختفي مجددًا إلى إشعار انتخابي آخر.
لكن، وعلى غير ما كان عليه الحال سابقًا، لم يعد الناخب المغربي ذلك المتفرج الساذج الذي يصفق لكل عرض موسمي. فمع ارتفاع الوعي السياسي، لم تعد الوعود الفضفاضة كافية، ولم تعد الابتسامات تُترجم تلقائيًا إلى أصوات. المواطن اليوم صار أشبه بمراقب حسابات: يسأل، يدقق، ويقارن بين ما قيل وما تحقق… وغالبًا ما يجد الفارق أكبر من أن يُخفى بابتسامة.
السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يعد المرشح؟ بل: أين كان كل هذا الحماس طيلة سنوات الانتداب؟ ولماذا تتحول الغيرة على الحي فجأة إلى حالة مستعجلة لا تقبل التأجيل إلا حين يقترب صندوق الاقتراع؟
ومع اقتراب الحملة الرسمية، يبدو أن المسرحية ستتكرر، لكن الجمهور تغيّر. فإما أن تطور “الكائنات الانتخابية” من أدائها وتتحول إلى فاعلين حقيقيين، أو تظل مجرد ظاهرة موسمية… تُرصد كل بضع سنوات، ثم تُنسى في انتظار موسم انتخابي جديد.








