في مشهد غير مسبوق منذ استقلال سوريا عام 1946، وصل الرئيس السوري أحمد الشرع، ليل السبت، إلى الولايات المتحدة الأمريكية في زيارة رسمية وصفتها الأوساط الدبلوماسية بـ“التاريخية”، بعد يوم واحد فقط من قرار واشنطن شطب اسمه من قائمة الإرهاب، في خطوة فُسّرت على نطاق واسع بأنها بداية لمرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين.
ووفقاً لوكالة الأنباء السورية الرسمية، فإن الشرع سيجري محادثات رفيعة المستوى مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض يوم الاثنين، حيث من المنتظر أن تبحث القمة السورية–الأمريكية ملفات معقدة تتعلق بالأمن الإقليمي، والعلاقات السورية الإسرائيلية، ومستقبل الوجود الأمريكي في سوريا.
تأتي هذه الزيارة في ظل تغيّر جذري في الموقف الأمريكي من دمشق، بعد سنوات من العقوبات والعزلة السياسية التي فرضتها إدارة واشنطن على النظام السوري السابق.
فبعد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، سارعت الولايات المتحدة إلى مراجعة سياستها تجاه القيادة السورية الجديدة، وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية الجمعة شطب اسم الرئيس الشرع من القائمة السوداء، بعدما كانت قد رصدت مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه قبل توليه الحكم.
وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، تومي بيغوت، إن القرار “يأتي تقديراً للتقدم الذي أحرزته القيادة السورية الجديدة في مكافحة الإرهاب، والتخلص من الأسلحة الكيميائية، والمساهمة في جهود الاستقرار الإقليمي”.
ويُنظر إلى الرئيس أحمد الشرع على نطاق واسع باعتباره رمز التحول السياسي في سوريا، إذ انتقل من قيادة تنظيمات مسلحة معارضة للنظام السابق، إلى موقع الرجل الأول في الدولة بعد مرحلة انتقالية حساسة.
ويصف محللون غربيون زيارته للبيت الأبيض بأنها “التحول الأبرز في السياسة السورية خلال نصف قرن”، واعتبرها مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، مايكل حنا، “لحظة رمزية بالغة الأهمية تمثل انتقال الشرع من مقاتل سابق إلى رجل دولة مؤثر على الساحة الدولية”.
من المقرر أن تشمل المباحثات بين الرئيسين ملف التعاون الأمني والعسكري ضد تنظيم الدولة الإسلامية، إضافة إلى مفاوضات السلام غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل.
وتشير تقارير دبلوماسية إلى أن واشنطن تخطط لإنشاء قاعدة عسكرية قرب دمشق “لتنسيق المساعدات الإنسانية ومراقبة التطورات الميدانية بين سوريا وإسرائيل”، في خطوة قد تمهّد لاتفاق أمني جديد في المنطقة.
كما يُتوقع أن يدعو ترامب نظيره السوري للانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية التي دشنتها الولايات المتحدة عام 2020، وأدت إلى تطبيع العلاقات بين عدد من الدول العربية وإسرائيل.
وكان الشرع قد أعلن في سبتمبر الماضي أن “المفاوضات مع إسرائيل تهدف إلى التوصل لاتفاق أمني يضمن انسحابها من مناطق في الجنوب السوري مقابل وقف الغارات”.
بالتزامن مع مغادرة الشرع إلى واشنطن، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن تنفيذ عمليات استباقية واسعة ضد خلايا تنظيم الدولة الإسلامية في مختلف المحافظات.
وقال المتحدث باسم الوزارة، نور الدين البابا، إن الأجهزة الأمنية نفذت 61 مداهمة في أنحاء البلاد، أسفرت عن اعتقال 71 شخصاً ومصادرة كميات كبيرة من المتفجرات والأسلحة.
ويأتي ذلك في إطار جهود الحكومة السورية لتعزيز صورتها كشريك موثوق في مكافحة الإرهاب، قبيل الزيارة التاريخية إلى واشنطن.
على الصعيد الاقتصادي، يتطلع الشرع إلى الحصول على دعم مالي لإعادة إعمار سوريا التي أنهكتها الحرب الأهلية.
ويُقدّر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 216 مليار دولار، وهو ما يجعل أي دعم أمريكي أو دولي ذا أهمية قصوى لاستقرار البلاد وعودتها إلى الساحة الاقتصادية العالمية.
تُعد زيارة أحمد الشرع للولايات المتحدة محطة مفصلية في التاريخ السوري الحديث، إذ تفتح الباب أمام دمشق للعودة إلى المسرح الدولي بعد سنوات من العزلة والعقوبات.
ويرى مراقبون أن واشنطن تسعى من خلال هذه الخطوة إلى إعادة ترتيب توازنات الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل التحولات الجارية في المنطقة، والانفتاح التدريجي لبعض الدول العربية على دمشق.
وتشير الأوساط الدبلوماسية إلى أن نجاح زيارة الشرع قد يعيد سوريا إلى موقعها المحوري في معادلة الأمن الإقليمي، ويطلق مرحلة جديدة من الحوار بين الشرق والغرب، قائمة على المصالح المشتركة لا المواجهة.
ختاماً، فإن مشهد مصافحة الرئيسين أحمد الشرع ودونالد ترامب في البيت الأبيض لا يمثل مجرد لحظة بروتوكولية، بل رمزاً لبداية فصل جديد في تاريخ سوريا الحديث، وفاتحة لمرحلة قد تعيد رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط بأسره.









