هاشــم الخياطي
في الوقت الذي يُنتظر فيه من المؤسسة التشريعية أن تكون في صلب القضايا التي تشغل المواطنين، تتجدد الانتقادات الموجهة إلى ظاهرة الغياب المتكرر لبعض البرلمانيين عن الجلسات العامة واجتماعات اللجان،أو تسجيل الحضور لخمس دقائق ويغادر القاعة ، وسط مطالب بتشديد الإجراءات التأديبية، وتفعيل الاقتطاعات من التعويضات المالية عن كل غياب غير مبرر.
وتتصاعد الدعوات إلى وضع حد لما يعتبره متابعون استهتارا بالمسؤولية التمثيلية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بجلسات تناقش مشاريع قوانين تمس الحقوق والحريات والقدرة الشرائية والكرامة الاجتماعية للمواطنين. فكيف يمكن لنائب أن يتقاضى تعويضاته وامتيازاته كاملة، بينما يتخلف عن أداء المهمة التي انتُخب من أجلها؟
ويطالب مواطنون بنشر لوائح حضور وغياب أعضاء مجلسي البرلمان ، وجعلها متاحة للرأي العام، حتى يتمكن الناخبون من معرفة مدى التزام ممثليهم بواجباتهم التشريعية والرقابية، مع ربط التعويضات المالية بالحضور الفعلي، وعدم التساهل مع الغيابات المتكررة دون مبررات مقبولة.
ومن بين المقترحات المطروحة تشديد الاقتطاعات في حالات الغياب المتكرر ومغادرته الاجتماع بعد أن سجل حضوره لمدة 5 أو 10 دقائق ، ولا سيما عندما يتغيب النائب ثلاث مرات متتالية دون عذر مشروع، مع تفعيل المقتضيات القانونية والتنظيمية ذات الصلة، بما يضمن ألا تتحول التعويضات البرلمانية إلى امتياز مضمون بصرف النظر عن مستوى الالتزام بالمهام.
ويرى منتقدون أن الاقتطاع المالي، مهما بلغت قيمته، لن يكون كافيا ما لم يقترن برقابة مؤسساتية شفافة ومساءلة سياسية حقيقية، خصوصا أن التعويضات التي يتقاضاها البرلمانيون من المال العام تفرض عليهم التزاما مضاعفا بالحضور والمشاركة والتفاعل مع القضايا المطروحة داخل المؤسسة التشريعية.
كما يطرح هذا النقاش سؤالا أعمق يتعلق بمدى احترام مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي لا ينبغي أن يظل مجرد شعار يرفع عند مساءلة المسؤولين الحكوميين والإداريين، بل يتعين أن يشمل أيضا المنتخبين، باعتبارهم مؤتمنين على تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم.
فالمواطن الذي يواجه الغلاء والبطالة وتراجع القدرة الشرائية، ويُطالب باحترام القانون وأداء واجباته، من حقه أن يتساءل عن أسباب استمرار غياب بعض ممثليه، الذين منحوهم أصواتهم ، وعن الإجراءات المتخذة في حقهم، وعن مدى ارتباط التعويضات التي يتقاضونها بحجم العمل الذي يؤدونه.
إن القضية لم تعد مرتبطة بمجرد تسجيل الحضور أو الغياب، بل بمصداقية المؤسسة التشريعية وثقة المواطنين فيها. فالبرلمان ليس فضاء للامتيازات والتعويضات، وإنما مؤسسة دستورية تقوم على التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتمثيل الأمة.
ويبقى السؤال المطروح: هل ستتحول المطالب بتشديد الاقتطاعات عن الغياب غير المبرر، خاصة بعد ثلاث غيابات متتالية، إلى إجراءات ملموسة وشفافة؟ وهل ستُنشر لوائح المتغيبين ويُكشف للرأي العام عن حجم الاقتطاعات المطبقة؟
فمن يتقاضى راتبا وتعويضات من المال العام، عليه أن يكون حاضرا لأداء واجبه.. لا أن يكون حضوره مضمونا في كشف الأجور وغيابه متكررا تحت قبة البرلمان.










