هاشــم الخياطــي
بتاريخ 15 سبتمبر 1956، ألقى العاهل المغربي محمد الخامس خطابًا بمدينة وجدة الحدودية، تناول فيه معاناة شعوب المغرب العربي من السياسية الاستعمارية الفرنسية، مركزًا في خطابه على معاناة الشعب الجزائري، وأكد على ضرورة إيجاد حل سلمي وعادل للقضية الجزائرية، وأن مستقبل الجزائر يدخل ضمن إطار وحدة المغرب العربي.
كان دعم الملك محمد الخامس للقضية الجزائري بتلك الصورة العلنية صفعة قوية للفرنسيين، ولا سيما أنها كانت تتوقع وقوف المغرب إلى جانبها في مطلبها الرامي إلى كون الجزائر جزءًا لا بتجزأ من ترابها.
لم يقف دعم الملك محمد الخامس للقضية الجزائرية عند التصريحات والتنديد وإثارة المشاعر العربية والإسلامية والإنسانية وحسب، بل كان إلى جانب ذلك يقابل ويحتضن قادة الثورة الجزائرية، ويمد الثورة بالسلاح، ويستقبل المجاهدين والسياسيين فكان له الدور العظيم في نجاح الثورة الجزائرية.

لم يكن استقلال الجزائر سنة 1962 ثمرة كفاح داخلي معزول عن محيطه الإقليمي، بل جاء نتيجة تضافر عوامل متعددة، كان في مقدمتها الدعم الكبير الذي قدمه المغرب للقضية الجزائرية، سياسياً وعسكرياً ولوجستيكياً ودبلوماسياً. فقد شكل المغرب، قبل استقلاله وبعده، عمقاً استراتيجياً حقيقياً لثورة التحرير الجزائرية، وساهم بشكل ملموس في تهيئة شروط صمودها وانتصارها في مواجهة الاستعمار الفرنسي.
منذ السنوات الأولى لتبلور الحركة الوطنية الجزائرية، أبدى المغرب، ملكاً وحركة وطنية وشعباً، تعاطفاً واضحاً مع نضال الجزائريين ضد الاستعمار. فقبل استقلال المغرب سنة 1956، كانت المدن المغربية، خاصة في الشمال والشرق، فضاءً مفتوحاً لنشاط المناضلين الجزائريين، وملتقى لقياداتهم السياسية، حيث وجدوا الدعم المعنوي والسياسي، وحرية التحرك التي حُرموا منها داخل الجزائر الخاضعة للسيطرة الفرنسية.
بعد استقلال المغرب، تحول هذا التعاطف إلى التزام رسمي. فقد سمحت السلطات المغربية لجيش التحرير الوطني الجزائري باستخدام التراب المغربي قاعدةً خلفية للتدريب، والتسلح، وتنظيم الصفوف. كما شكلت الحدود الشرقية للمغرب شرياناً حيوياً لمرور السلاح والمؤن والمقاتلين نحو الداخل الجزائري، رغم ما كان يرافق ذلك من مخاطر وضغوط فرنسية كبيرة على الرباط.

ولم يقتصر الأمر على التسهيلات، بل إن المغرب قدم دعماً عسكرياً مباشراً، وساهم في إمداد الثورة الجزائرية بالعتاد، في وقت كانت فيه فرنسا تحاول خنق الثورة وعزلها إقليمياً. هذا الدعم كان له أثر بالغ في استمرار العمل المسلح والحفاظ على توازن نسبي في مواجهة آلة عسكرية استعمارية ضخمة.
بتوجيه من الملك محمد الخامس، فتحت القوات المغربية الحدود للمجاهدين الجزائريين، وجعلت من أراضيها ميدانًا لتدريبهم، وبعض مدنها قواعد خلفية للثورة. وهذا الدعم الكبير زاد من قوة الثورة، بل شتت خطط الفرنسيين الذين بدؤوا يضعفون أمام هجمات الثوار الحدودية.
ونتيجة الدعم الاستراتيجي من العاهل المغربي، نشطت قيادة الثورة الجزائرية في وضع الخطط وتكوين شبكات تتولى مهمة الحصول على السلاح من أوروبا وتوصيله إلى المنطقة الغربية من البلاد عبر المغرب الأقصى، وقد أنشأت لهذا الغرض إدارة الاتصالات الخاصة بالمعلومات داخل المغرب، ومن الطرق والوسائل الناجعة في تهريب الأسلحة عبر التراب المغربي: استعمال صناديق الخضار والفواكه، فبعد تفريغها كانت تملأ بالذخيرة الحربية، وكذلك الأواني الفخارية التي تحضر في مدينة فاس وتملأ بالذخيرة ومنها تدخل التراب الجزائري، هذا إلى جانب خزانات وقود السيارات التي كانت تشحن هي الأخرى بالأسلحة وتمر عبر الحدود إلى الجزائر.
على المستوى السياسي، لعب المغرب دوراً محورياً في التعريف بالقضية الجزائرية والدفاع عنها في المنتديات الإقليمية والدولية. فقد عملت الدبلوماسية المغربية، منذ السنوات الأولى للاستقلال، على إدراج الملف الجزائري ضمن القضايا الأساسية المطروحة في الأمم المتحدة، وفي المؤتمرات الإفريقية والآسيوية، معتبرة أن استقلال الجزائر جزء لا يتجزأ من معركة تصفية الاستعمار في شمال إفريقيا.
كما كان الملك الراحل محمد الخامس من أبرز القادة الذين تبنوا علناً حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، وجعلوا من دعم ثورته خياراً مبدئياً، رغم ما كان لذلك من كلفة سياسية وأمنية على المغرب الفتي.
لم يقتصر فضل المغرب على المستوى الرسمي، بل تجاوزه إلى بعد شعبي عميق. فقد فتح المغاربة بيوتهم للاجئين الجزائريين، وشاركوا في حملات الدعم وجمع التبرعات، واعتبروا معركة الجزائر معركتهم. هذا التلاحم عكس وعياً مبكراً بوحدة المصير بين الشعبين، وبأن الاستعمار الذي جثم على الجزائر هو ذاته الذي حاول تفكيك المنطقة برمتها.
إن استحضار فضل المغرب على الجزائر في نيل استقلالها لا يروم تسجيل نقاط سياسية أو إثارة الأحقاد، بقدر ما يهدف إلى إنصاف التاريخ وتذكير الأجيال الجديدة بحقائق موثقة. فالعلاقات بين الدول والشعوب تبنى على الذاكرة المشتركة والاعتراف المتبادل، لا على النسيان أو التنكر.
لقد كان المغرب سنداً أساسياً للثورة الجزائرية في واحدة من أصعب مراحلها، وأسهم، بما توفر له من إمكانات، في تسريع مسار الاستقلال. ويبقى هذا الدعم صفحة مضيئة في تاريخ التضامن المغاربي، ودليلاً على أن وحدة الشعوب أقوى من كل الخلافات الظرفية، مهما طال أمدها.
وهكذا أدى المغرب حكومة وشعبًا في عهد العاهل المغربي محمد الخامس دورًا عظيمًا في نصرة قضية الشعب الجزائرية والوقوف في محنته ودعمه ماديًا ومعنويًا، ولم يتوقف هذا الدعم يومًا رغم كيد الفرنسيين وبث الضغائن بين الطرفين، فنال الجزائر استقلاله بدعم إخوته المغاربة في عام 1962.








