مستجدات

مشروع قانون الأحزاب… إصلاح أم اغتيال سياسي ناعم؟

طاقم ALLNEWS28 أكتوبر 2025
مشروع قانون الأحزاب… إصلاح أم اغتيال سياسي ناعم؟

في الوقت الذي يعيش فيه الشارع المغربي حراكاً اجتماعياً متجدداً، خرج مشروع القانون التنظيمي للأحزاب السياسية ليقدَّم بوصفه خطوة إصلاحية تُعيد الثقة للمشهد العام. غير أن ما يبدو على الورق إصلاحاً ديمقراطياً، قد يخفي في العمق توجهاً مغايراً تماماً… توجهاً نحو إضعاف الأحزاب وتفكيك الوسائط السياسية التي شكّلت لعقود العمود الفقري للحياة الديمقراطية المغربية.

فتح الباب أمام الترشح المستقل، مع تخصيص دعم مالي مباشر للمترشحين الأفراد، يبدو ظاهرياً محاولة لتشجيع الشباب والطاقات الجديدة على دخول المعترك السياسي. لكن جوهر المبادرة يُفصح عن شيء آخر: نزع الثقة من الأحزاب، وتهميش دورها في تأطير المواطنين وتمثيلهم.

فما الجدوى من الحديث عن ديمقراطية تمثيلية، إذا كانت الدولة نفسها تُفرّغ الفعل الحزبي من محتواه وتُشجع على العمل السياسي الفردي؟
إنها مقاربة تحمل في طيّاتها نزعة خطيرة نحو تفكيك البناء الحزبي الذي يشكّل ركيزة الاستقرار السياسي والاجتماعي منذ عقود.

في السنوات الأخيرة، لم يعد الخطاب الرسمي يتحدث عن “إصلاح الأحزاب” بقدر ما يميل إلى تجاوزها كلياً. والمبرر الجاهز: إنها لم تعد قادرة على مواكبة التحولات.
لكن هذه القراءة تتغافل عن حقيقة جوهرية: لا يمكن إصلاح الديمقراطية عبر إضعاف مؤسساتها، ولا يمكن تحديث المشهد السياسي بتدمير أدواته.

المشروع المقترح، وإن لبس ثوب الإصلاح، يفتح الباب أمام إعادة هندسة المشهد السياسي من الأعلى، بما يضمن سيطرة تامة على الفاعلين الجدد، ويُفرغ الحياة الحزبية من معناها كمجال حر ومستقل للتعبير والمنافسة.

مهما قيل عن ضعفها وترهّلها، تبقى الأحزاب المغربية المعبر الأصيل عن السياسة في هذا البلد. منها خرجت نخب الاستقلال، ومنها تبلورت الأفكار الوطنية الكبرى. وهي التي ساهمت في الدفاع عن الوحدة الترابية، وفي ترسيخ قيم الحداثة السياسية والتعددية.

إن المرض الذي أصاب الجسم الحزبي لا يعني وفاته. فالإصلاح ممكن، لكنه لا يكون بالتجاوز ولا بالإلغاء، بل بالتأهيل والتجديد من الداخل. وإضعاف الأحزاب لن يُنتج إلا فراغاً سياسياً، سرعان ما تملؤه الشعبوية والفردانية.

المفارقة أن بعض القيادات الحزبية تسارع اليوم إلى التصفيق لهذا المشروع، وكأنها تحتفل بنهايتها السياسية. نخبٌ صعدت على أكتاف التنظيمات الحزبية، ثم تخلّت عنها عند أول اختبار.
لكنّ التاريخ لا يرحم: كل تجربة حاولت القفز على الأحزاب، انتهت إلى حكمٍ فرديّ مغلق، أو إلى فوضى سياسية بلا ملامح.

إن الدولة، إذا كانت فعلاً حريصة على إنجاح النموذج الديمقراطي المغربي، مطالَبة اليوم بوضوح في الاختيار:
إما دولة مؤسسات تؤمن بالأحزاب كركيزة للتوازن،
وإما دولة إدارة تُدير المشهد السياسي بمنطق التعليمات لا بمنطق المشاركة.

فالديمقراطية لا تُبنى بالوجوه الجديدة وحدها، بل بالمؤسسات القوية.
وإضعاف الأحزاب لن يصنع سياسة جديدة، بل سيُدخل البلاد في زمن الفردانية السياسية والشعبوية المدمّرة.

إن ما يُقدَّم اليوم على أنه إصلاح حزبي، قد يكون في الواقع اغتيالاً سياسياً ناعماً لتجربة مغربية نادرة في المنطقة… تجربة تستحق الإصلاح لا التصفية.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة