احتلال الملك العام بين تقاعس مجلس الجماعة و المراسلة التنبيهية التي قلبت الموازين و أحدثت ضجة على المواقع الاجتماعية
كتبها : الهادي بنعمر

لا حديث اليوم في مدينة مكناس إلا عن المراسلة التنبيهية ، التي توصلت بها رئاسة مجلس جماعة مكناس.
هذه المراسلة الموجهة من الوالي بالنيابة على جهة فاس/مكناس و عامل عمالة مكناس، أثارت كثيرا من التساؤلات لا من حيث مضمونها ولا من حيث توقيتها و طريقة تسريبها.
الكل يعلم أن ظاهرة التسيب على الملك العام بمدينة مكناس ، ليست وليدة اليوم بل هي حكاية طويلة و الوالي بالنيابة وعامل عمالة مكناس السيد عبد الغني الصبار ، الذي نهنئه بالمناسبة بمنصبه الجديد متمنيين له النجاحات تلوى النجاحات في مهامه الجديدة، يدرك تمام الإدراك ، هوالذي قضى بين ظهراننا عقدا كاملا من الزمن، مدى تفرعاتها و امتداداتها الظاهرة منها و الخفية.
لا بد من الاعتراف ، والاعتراف كما يقال فضيلة أننا ما من مرة أخطأنا في حق الإدارة الترابية ظانين أنها كثيرا ما تغض الطرف ، و لا تبالي بما تعيشه شوارعنا و جميع المنافذ المؤدية إليها من فوضى عارمة من جراء احتلال ممراتها و أرصفتها .
مراسلة السيد عامل عمالة مكناس ، أماطت اللثام عن سياسة اللامبالاة التي ما فتئت تنهجها رئاسة الجماعة و مكونات أغلبيتها .
مراسلة السيد العامل جاءت لفضح كل الذين يطبلون و يزمرون بإنجازات لم نر لها أثرا على أرض الواقع.
مراسلة السيد عامل عمالة مكناس جاءت لتقول بصحيح العبارة كفى!
كفى من التهريج و المغالطات و خلط الأوراق. كفى من هذا التدبير الذي طغت عليه الارتجالية و العشوائية و انعدام المسؤولية، و كأني بالسيد عبد الغني الصبار يدق الجليد العنيد صارخا علهم يستفيقون من سباتهم العميق.
كأني به يقول وهو يهز جدع نخيلتهم، الساكنة الهادئة : يا سادة المدينة أعيتها الانتظارية و الاتكالية والمحسوبية. الساكنة لم تعد تطيق ما آلت إليه أوضاع مدينتها.
الساكنة يا سادة تريد استعادة أرصفة شوارعها و ممراتها ، التي انتهكت حرماتها من طرف أرباب المقاهي و أصحاب المحلات التجارية و القليل القليل مما تبقى منها ، قد تحول إلى أسواق عشوائية وأنتم لا تبالون ، لا تكترثون .
مكناس لم تعد تطيق ما ألم بها و بقلبها النابض حمرية.

شوارعنا يا سادة ضاقت ذرعا “بكراريس” بائعي الهندية و الكرموس و الفراشة. حمرية لم تعد تتنفس لكثرة أزبالها المنتشرة في كل مكان رغم الملايير التي تدخ في صناديق الشركة الموكولة لها نظافة المدينة، رغم مجهودات عمال النظافة الذين يعانون الأمرين إن على مستوى تأخير دفع رواتبهم أو نقص المعدات.
مكناس لم تعد باريسا صغيرا و لا فرساي. حتى منظرها الجميل الذي يطل على معالم المدينة العتيقة لم يسلم من الإسمنت و الخرسانة المسلحة ، ليحرم رواد هذا المنظر البانورامي الشمولي من مكناسيين و زوار من الاستمتاع بغروب الشمس، وأخد صور تذكارية لفن المعمار المغربي و أصالته.
يجب التذكير هنا أن المرحوم الحسن الثاني طيب الله ثراه ، أثناء زيارته لمدينة مكناس بتاريخ 28 يوليوز 1992 ، فضل أن يبقى هذا المنظر على ما كان عليه، على أن يستغل في بناء قصر جديد حيث شكر الحاضرين قائلا : “كنعرف أن الهدية لا ترد ولكن لا يمكنني حرمان ساكنة مكناس و ضيوفها الذين يأتون إليها من كل بقاع العالم من الاستمتاع بجمالية “منظر باب قرمودة كما كان يسمى سالفا ، و أخذ صور تذكارية لمعالم المدينة التاريخية“.
واليوم تحت ذريعة تشجيع الاستثمار يأبى المجلس البلدي إلا أن يرخص لبناء لا ندري ماذا في غياب لوحة تعريفية بالمشروع، مقدمة لصاحب المبنى هدية ، و هي عبارة عن أرض في ملكية الجماعة مقابل دريهمات معدودة لاستعمالها كمرآب للسيارات ، و بهذا يمكن القول أن المجلس غير منشغل بمطالب المكناسيين ، الذين يسعون إلى بيئة معيشية مريحة كما هو الشأن في باقي كبريات المدن المغربية .
مراسلة السيد العامل لم تقتصر على تحرير الملك العام ، بل أشارت أيضا إلى المدارات الطرقية المهترئة و نافوراتها البئيسة ، ذات الروائح النتنة وإلى المجالات الخضراء التي طالها النسيان و الإهمال لتبقى قاحلة جرداء .
نعم ، حكاية احتلال الملك العام و حرمان مستعملي ممرات الأرصفة من حقهم في السير و الجولان ، يطرح عدة تساؤلات عن هذا الاستغلال العشوائي المفرط ، و الملفت الذي مع الأسف لا يشغل بال القائمين على تدبير الشأن المحلي ، لتبقى شوارعنا التي ضاقت ذرعا بكل الذين تربعوا على أرصفتها بدون حق. ولا من يراقب أو يحاسب أو يعاقب. و خير دليل على ذلك ممرات شارع الحسن الثاني الذي تقاسمته بعض المقاهي لترمي بالراجلين إلى قارعة الطريق، و ذلك تزامنا مع إصدار وزارة الداخلية أوامرها إلى كل السلطات المختصة كي تتجند في كافة ربوع المملكة لتحرير الملك العام من كل الشوائب و العيوب ، التي تشوه معالم مدننا وجمالية حواضرنا.
و هكذا ، و في الوقت الذي تتكاثف فيه الجهود للقضاء على كل الاختلالات والفوضى العارمة لضمان بيئة معيشية مريحة، قرر بعضهم الاستلاء بالتمام و الكمال على ممر للراجلين في تحد سافر لدورية وزير الداخلية والسلطات المحلية ، لتبقى مدينة مكناس مدينة الاستثناءات ، مدينة الخروقات و التجاوزات ، و هذا ما يتضح للعيان وهذا ما أثار حافظة المكناسيين الذين باتوا يتساءلون عن الجهات التي تحمي هؤلاء المحتلين ، الذين اكتسبوا الجرأة و القوة ليبسطوا أيديهم على ملك ليس من حقهم.
المكناسيون يتساءلون مستغربين عمن أعطى الضوء الأخضر و رخص بذلك؟ ، هل كان ذلك التسيب بسبب الجاه و المال؟ أم أن المعتدين على الملك العام هم أناس فوق القانون و فوق سلطة من يسهرون على تطبيقه.؟ و إلا كيف استطاعوا تنويم الشرطة الإدارية و الرئاسة و النواب المفوض لهم؟؟؟
كيف استطاعوا استمالة كل هؤلاء ، ضاربين بعرض الحائط و بكل فظاظة ووقاحة دورية وزير الداخلية؟ كيف تمكنوا من إسكات كل هؤلاء؟ كيف نجحوا في صرف أنظارهم عن كل هذه التجاوزات؟ أكان ذلك في الحدود التي يسمح بها القانون أم ضدا عليه رغم الضرر الفادح والجرم الفاضح؟ أم كان ذلك عن طريق التوسلات و المحابات حتى لا أقول المحسوبية و الزبونية و” دهن السير يسير”
حاولنا جاهدين البحث عن الحقيقة لكن الأبواب كعادتها بقيت مغلقة.
لذا لم نتمكن البلوغ إلى كنه الحقيقة . كل ما أفادت به بعض الجهات أن العملية قد تمت قبيل تقديم الرئيس جواد بحاجي استقالته.
كما علمنا أن السيد الرئيس الحالي ، قد انتقل إلى عين المكان وعاين بأم عينه كل التجاوزات وأنه وعد بفتح تحقيق. و كان ذلك حوالي شهر تقريبا قبل مراسلة السيد العامل. لكن مع الأسف لم نلاحظ أي تغيير يذكر لتبقى دار لقمان على حالها.
واليوم ها هوالسيد الوالي بالنيابة عامل عمالة مكناس، يهزهم بقوة كما تهز شجرة الجوز الهندي علهم يستفيقون من سباتهم العميق ، لوضع حد لهذا الترامي وتعامل الكيل بمكيالين في تطبيق القانون.
السيد عبد الغني الصبار يخرج عن صمته ، ليقول للسيد الرئيس عباس لومغاري و لأعضاء مكتبه أوقفوا هذه المهازل،بعدما اطلع على فحوى تقرير خلية التتبع و الرصد ، التي أوكلت إليها مهمة البحت و التقصي .
السيد العامل في مراسلته لم يقتصر على الترامي على الملك العام، بل وضع أصبعه على جميع الاختلالات و النقائص و الفوضى ، التي باتت تستأثر باهتمام الرأي العام المكناسي التي تشوه معالم المدينة و بيئتها المعيشية.
مراسلة السيد عامل عمالة مكناس ، ليست فقط مجرد تنبيه بل هي أكثر من ذلك لكونها تحمل في طياتها تحذيرا رسميا إن لم أقل توبيخا لما آلت إليه أوضاع المدينة.
المراسلة هذه هل ستؤرخ لبداية نهاية المجاملة لتحل محلها المحاسبة ؟ فقط الآتي من الأيام سيخبرنا بذلك.











