الخياطــي هاشــم
لم يعد مشهد الأطفال الذين يجوبون شوارع المدن المغربية، متسولين أو نائمين فوق الأرصفة أو عالقين عند إشارات المرور، استثناء يثير الدهشة، بل تحول إلى جزء من المشهد اليومي الذي اعتاد عليه الجميع. غير أن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس انتشارها المتزايد، وإنما حالة التطبيع المجتمعي معها، حتى بات كثيرون يمرون بجانب هؤلاء الأطفال دون أن يتوقفوا للتساؤل عن مصيرهم أو الظروف التي دفعتهم إلى الشارع.
ورغم أن هؤلاء الأطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم 12 أو 13 سنة، فإنهم يواجهون يوميا واقعا يفوق قدرتهم على الاحتمال، في غياب بيئة أسرية آمنة أو مؤسسات قادرة على احتضانهم وإعادة إدماجهم. ويطرح هذا الوضع علامات استفهام كبيرة حول مدى نجاعة السياسات العمومية الموجهة لحماية الطفولة، في وقت تواصل فيه الظاهرة تمددها داخل المدن الكبرى والصغرى على حد سواء.
يرى فاعلون في مجال حماية الطفولة أن الخطأ الأكبر يتمثل في التعامل مع هؤلاء الأطفال باعتبارهم مصدر إزعاج أو تهديد للأمن العام، بينما الحقيقة أنهم ضحايا لدوامة معقدة من الفقر والتفكك الأسري والهدر المدرسي والعنف والإقصاء الاجتماعي.

فالأطفال الذين ينتهي بهم المطاف في الشارع لا يختارون هذا المصير بإرادتهم، بل تدفعهم إليه ظروف قاسية تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، ما يجعل مسؤولية حمايتهم تقع على عاتق الدولة والمجتمع والأسرة والمؤسسات المدنية بشكل جماعي.
تؤكد المواثيق الدولية، وفي مقدمتها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أن الأطفال الذين يعيشون في الشوارع يتمتعون بكامل الحقوق المنصوص عليها في اتفاقية حقوق الطفل، بما في ذلك الحق في الحماية والرعاية والتعليم والصحة والكرامة.
غير أن الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الميداني تبدو واسعة، إذ ما تزال هذه الفئة تواجه أوضاعا مأساوية في غياب برامج فعالة للوقاية والإدماج، الأمر الذي يثير تساؤلات حول أسباب تعثر تنزيل هذه الالتزامات الحقوقية على أرض الواقع، رغم وجود ترسانة قانونية ومؤسسات معنية بحماية الطفولة.
ولا تقتصر معاناة أطفال الشوارع على الحرمان من التعليم أو المأوى، بل تمتد إلى أشكال متعددة من الاستغلال والانتهاكات. فكثير منهم يصبحون فريسة لشبكات تستغل هشاشتهم في التسول أو السرقة أو أعمال غير مشروعة، بينما يتعرض آخرون للعنف الجسدي أو النفسي أو للاستغلال الجنسي، فضلا عن المخاطر الصحية المرتبطة بالإدمان وسوء التغذية والعيش في ظروف غير إنسانية.
ويؤكد مختصون أن هذه الانتهاكات غالبا ما تبقى بعيدة عن الرصد الرسمي، بسبب صعوبة تتبع الأطفال الذين يعيشون خارج أي إطار أسري أو مؤسساتي، وهو ما يجعل الظاهرة أكثر تعقيدا وخطورة.
ورغم المبادرات التي أطلقتها بعض المؤسسات والجمعيات خلال السنوات الماضية، فإن نتائجها ظلت محدودة، إذ ركز معظمها على التدخلات الظرفية والإيواء المؤقت، دون معالجة الأسباب العميقة التي تدفع الأطفال إلى مغادرة أسرهم أو الانقطاع عن الدراسة أو اللجوء إلى الشارع.
ويعتبر متابعون أن أي سياسة ناجحة ينبغي أن تنطلق من الوقاية، عبر محاربة الفقر والهشاشة، ودعم الأسر المعوزة، والحد من الهدر المدرسي، وتعزيز خدمات الصحة النفسية والاجتماعية، إلى جانب توفير مراكز متخصصة لإعادة الإدماج والتأهيل.
ويجمع المدافعون عن حقوق الطفل على أن مواجهة هذه الظاهرة لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل، بل تستوجب اعتماد استراتيجية وطنية متعددة القطاعات، تشارك فيها مختلف المؤسسات الحكومية والجماعات الترابية والسلطة القضائية والمجتمع المدني، مع توفير معطيات دقيقة حول حجم الظاهرة وأسبابها وتطورها.
كما يدعون إلى إنجاز دراسات ميدانية منتظمة تعتمد على جمع البيانات وتحليلها، بما يسمح بتقييم السياسات العمومية وتحديد مكامن الخلل، ووضع برامج مبنية على الأدلة بدل الاكتفاء بالحلول الظرفية التي لم تنجح حتى الآن في الحد من انتشار أطفال الشوارع.
وفي ظل استمرار تنامي الظاهرة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: إلى متى سيظل أطفال الشوارع مجرد أرقام في التقارير أو مشاهد عابرة في الفضاء العام، بدل أن يصبحوا أولوية وطنية تستدعي تعبئة حقيقية لحماية حقهم في الطفولة والكرامة ومستقبل أكثر أمنا؟.









