مستجدات

أيوب عيسيو خارج السجن.. والجزائر أمام اختبار جديد في قضية تحولت إلى أزمة سياسية وقضائية

[TOUTES LES ACTUALITÉS]22 سبتمبر 2026
أيوب عيسيو خارج السجن.. والجزائر أمام اختبار جديد في قضية تحولت إلى أزمة سياسية وقضائية

خرج رجل الأعمال والإعلامي الجزائري أيوب عيسيو من السجن في إسبانيا، لكن حريته لا تزال مقيدة بإجراءات قضائية صارمة، في وقت تتجه فيه قضيته إلى مرحلة أكثر حساسية قد تعيد فتح ملفات العلاقة المتوترة بين مدريد والجزائر، وتسلط الضوء مجدداً على طبيعة تعامل النظام الجزائري مع خصومه ومع الأصوات الإعلامية الخارجة عن دائرة السلطة.

وكانت المحكمة الوطنية الإسبانية قد قررت الإفراج المؤقت عن عيسيو بعد نحو 41 يوماً من الاعتقال، بناءً على موقف جديد للنيابة العامة، مع فرض تدابير احترازية تشمل سحب جواز سفره، ومنعه من مغادرة الأراضي الإسبانية، وإلزامه بالمثول دورياً أمام القضاء، فضلاً عن إبلاغ السلطات بأي تغيير في عنوان إقامته. والإفراج، وفق المعطيات المنشورة، لا يعني إغلاق ملف التسليم، إذ لا تزال المحكمة مطالبة بالحسم في طلب الجزائر.

منذ اعتقال عيسيو في مطار برشلونة يوم 25 يوليوز الماضي، ظل جوهر القضية محل روايتين متعارضتين. فالسلطات الجزائرية تطالب بتسليمه في إطار قضايا ذات طبيعة اقتصادية، بينما يقول دفاعه إن المتابعات القضائية ضده مرتبطة أساساً بخلافه مع السلطة ونشاطه الإعلامي المعارض. وكانت الجزائر قد قدمت طلب التسليم عبر القنوات الدبلوماسية، فيما تؤكد مصادر دفاعه وجود تناقضات في الملف المقدم إلى القضاء الإسباني.

وهنا تبرز واحدة من أكثر النقاط حساسية في الملف: هل يتعلق الأمر بملاحقة قضائية عادية، أم أن الخلفية السياسية والإعلامية للرجل جعلت القضية تتجاوز حدود القضاء؟ الجواب النهائي يبقى بيد القضاء الإسباني، لكن حجم الجدل الذي رافق الملف يجعل من الصعب التعامل معه باعتباره مجرد نزاع قانوني عابر.

القضية تعيد إلى الواجهة أيضاً النقاش حول علاقة السلطة الجزائرية بالإعلام الخاص والمعارضين ورجال الأعمال الذين يتحولون، في مرحلة ما، من شركاء أو فاعلين اقتصاديين إلى خصوم للسلطة.

فقد كان عيسيو مالكاً لقناة «الجزائرية وان»، التي تحولت إلى إحدى أدوات حضوره الإعلامي، قبل أن يغادر الجزائر سنة 2019 ويواصل نشاطه من الخارج. وتقول مصادر دفاعه إن القناة كانت من بين أسباب تصاعد الخلاف مع السلطات، بينما تنسب وسائل إعلام جزائرية أخرى ملاحقته إلى ملفات قضائية واقتصادية.

وبغض النظر عن الروايتين، فإن استمرار تحول الملفات القضائية التي تطال شخصيات اقتصادية وإعلامية إلى أزمات ذات أبعاد سياسية ودبلوماسية يطرح أسئلة جدية حول حدود استقلال القضاء عن الصراع السياسي في الجزائر.

المفارقة أن عيسيو، بعد أن كان خلف القضبان، أصبح الآن خارج السجن ولكن داخل دائرة مراقبة قضائية دقيقة. وفي المقابل، لا تستطيع السلطات الجزائرية اعتبار الإفراج المؤقت انتصاراً كاملاً، لأن قرار التسليم لم يصدر بعد.

وفي حواره الأخير مع صحيفة The Objective، قال عيسيو إنه يخشى على حياته وسلامة أفراد أسرته، ولم يستبعد طلب الحماية في إسبانيا، كما حذر من أن القضية يمكن أن تؤثر في العلاقات بين مدريد والجزائر.

وتكتسب هذه التصريحات وزناً إضافياً بسبب ما يصفه دفاعه بضغوط ومحاولات للتأثير في مسار القضية. فقد تحدث الدفاع سابقاً عن وجود مسؤولين جزائريين في إسبانيا وعن تعرض أفراد من عائلة عيسيو للمراقبة، وهي ادعاءات نقلتها الصحافة الإسبانية ولم تُحسم قضائياً باعتبارها وقائع ثابتة.

الأكثر إثارة في القضية أن عيسيو لم يكتفِ بالدفاع عن نفسه أمام القضاء، بل فتح الباب أمام احتمال دخوله مستقبلاً إلى المجال السياسي. ففي الحوار ذاته، وعندما سُئل عن إمكانية الترشح للانتخابات الرئاسية الجزائرية سنة 2029، أجاب بما معناه: «ولم لا؟».

وإذا كان هذا التصريح لا يشكل إعلاناً رسمياً عن الترشح، فإنه يكشف على الأقل عن انتقال القضية من مجرد ملف تسليم قضائي إلى مساحة سياسية أوسع، خصوصاً أن الرجل أصبح يحظى باهتمام إعلامي خارج الجزائر، بينما تتعامل معه السلطات الجزائرية باعتباره مطلوباً في ملفات قضائية.

وهنا تكمن المفارقة: كلما اتسعت دائرة الملاحقة، ازداد حضور الشخص المستهدف في المشهد العام، وكلما حاولت السلطة حصر القضية في إطار جنائي، أعاد خصمه تقديمها باعتبارها معركة سياسية.

لا يمكن للقضاء الإسباني أن يحسم وحده الجدل السياسي حول طبيعة النظام الجزائري، كما أن الادعاءات الصادرة عن دفاع عيسيو لا تكفي وحدها لإثبات وجود اضطهاد سياسي. لكن تراكم الملفات التي تتقاطع فيها السياسة والإعلام والقضاء يجعل القضية مناسبة لإعادة طرح سؤال أكبر: إلى أي حد تستطيع الجزائر إقناع الخارج بأن ملاحقات خصومها لا علاقة لها بالصراع السياسي؟

فالجزائر تريد من مدريد التعامل مع عيسيو باعتباره شخصاً مطلوباً في قضايا قضائية، بينما يقدم الرجل نفسه باعتباره ضحية صراع مع السلطة. وبين الروايتين توجد محكمة إسبانية مطالبة بفحص الأدلة والضمانات قبل اتخاذ قرارها.

لكن الضرر السياسي بدأ بالفعل؛ إذ إن الملف بات يُقرأ في إسبانيا وخارجها من زاوية العلاقة بين القضاء والسلطة في الجزائر، وليس فقط من زاوية الجرائم الاقتصادية التي تتحدث عنها السلطات الجزائرية.

و لا يزال قرار تسليم أيوب عيسيو إلى الجزائر غير محسوم، والإفراج المؤقت لا يعني إسقاط طلب التسليم. لكن خروجه من السجن غيّر قواعد اللعبة: فالرجل بات قادراً على مخاطبة الرأي العام، والدفاع عن روايته، والتحرك قانونياً من داخل إسبانيا، في وقت تواصل فيه الجزائر الضغط من أجل استعادته.

وهكذا تجد الجزائر نفسها أمام قضية كان يمكن أن تبقى في حدود مذكرة توقيف وطلب تسليم، فإذا بها تتحول إلى اختبار لصورتها السياسية والقضائية أمام أوروبا. أما مدريد، فتجد نفسها أمام ملف حساس تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والدبلوماسية مع استقلال القضاء وحقوق الشخص المطلوب.

وفي انتظار الكلمة الأخيرة للمحكمة الإسبانية، يبقى السؤال الأهم ليس فقط: هل سيعود أيوب عيسيو إلى الجزائر؟ بل أيضاً: ماذا ستكشف هذه القضية عن قدرة النظام الجزائري على إدارة خلافاته مع خصومه بعيداً عن منطق الملاحقة والتصعيد؟

الاخبار العاجلة