وماذا عن فقراء الأحياء الشعبية الذين يتقاسمون عدادا واحدا؟
الخياطــي هاشــم
حين يُختزل الدعم في قيمة الفاتورة، تضيع أسر فقيرة من حسابات الإعفاء، لأن عدادها الكهربائي واحد، بينما المستفيدون منه متعددون وهم يقطنون سكنا واحدا مشتركا .
أثار الحديث عن إعفاء الأسر التي لا تتجاوز فواتير الكهرباء لديها 100 درهم من أداء مستحقاتها تساؤلات حول مدى قدرة هذا الإجراء على الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة، خصوصا في الأحياء الشعبية والقديمة، حيث لا يعكس عدد العدادات الكهربائية بالضرورة عدد الأسر التي تعيش داخل مسكن مشترك.
ففي الوقت الذي قد يبدو فيه عداد كهربائي واحد مؤشرا على استهلاك محدود، قد يكون هذا العداد مشتركا بين ثلاث أسر أو أكثر، تتقاسم بيوتا صغيرة داخل منزل واحد، دون أن تكون بينها بالضرورة علاقة أسرية أو معيشية مشتركة.
عداد واحد لا يعني أسرة واحدة
في العديد من الأحياء الشعبية، لا تتكون المنازل من شقة مستقلة مخصصة لأسرة واحدة، بل جرى تقسيم بعضها إلى بيوت تُكرى لأسر متعددة. تعيش كل أسرة في مساحة محدودة، لكنها تتقاسم عدادا واحدا للكهرباء و للماء.
وتضطر أسر محدودة الدخل إلى هذا النمط من السكن بحثا عن كراء يناسب إمكاناتها المالية. وقد تضم البناية الواحدة ثلاث أسر أو أكثر، لكل منها ظروفها المعيشية واستهلاكها الخاص، لكنها تجد نفسها أمام فاتورة مشتركة لا تعكس احتياجات كل أسرة على حدة.
قد تتجاوز الفاتورة المشتركة عتبة 100 درهم، لا لأن أسرة واحدة تستهلك الكهرباء بكميات كبيرة، بل لأن عدة أسر تعتمد على عداد واحد مشترك بينهم. وهنا يصبح مجموع الاستهلاك هو المحدد لقيمة الفاتورة، بينما قد لا يتجاوز استهلاك كل أسرة، لو توفر لها عداد مستقل، السقف الذي أعلنت الحكومة إعفاء الفواتير التي لا تتجاوزه.
وفي حالات كثيرة، تدخل تكاليف الماء والكهرباء ضمن مبلغ الكراء الشهري، ما يجعل من الصعب فصل نصيب كل أسرة من الاستهلاك الحقيقي. وقد تصل المبالغ التي يتحملها مجموع المكتَرين داخل منزل واحد إلى أكثر من 500 درهم شهريا، بحسب عدد الأسر وطبيعة السكن وشروط الكراء.
وبذلك، قد تجد أسرة فقيرة نفسها خارج الاستفادة من الإعفاء، لا بسبب ارتفاع استهلاكها، وإنما لأنها تتقاسم عدادا مع أسر أخرى، فلا يسمح نظام الفوترة بتحديد استهلاكها الفردي.
إن الاقتصار على قيمة الفاتورة الإجمالية، إذا كان هو المعيار الوحيد للاستفادة من الإعفاء، يطرح إشكالا اجتماعيا يستحق المعالجة. فالفاتورة التي تتجاوز 100 درهم لا تعني بالضرورة أن المستفيدين من العداد يتوفرون على قدرة مالية أكبر، كما أن الفاتورة التي تقل عن هذا المبلغ لا تعني بالضرورة أن أسرة واحدة فقط تستفيد منها.
ولا تملك الأسر التي تتقاسم عدادا واحدا دائما القدرة على تغيير وضعيتها، بسبب كلفة إحداث فاتورات مستقلة أو طبيعة العقار أو شروط الكراء. لذلك، فإن ربط الاستفادة بعتبة مالية موحدة، دون مراعاة واقع السكن المشترك، قد يؤدي إلى إقصاء فئات تحتاج إلى الدعم، رغم محدودية استهلاكها الفردي.
إن تحقيق الإنصاف يقتضي ألا يُنظر إلى العداد الكهربائي باعتباره مرادفا لأسرة واحدة، بل ينبغي أخذ تعدد الأسر داخل المسكن نفسه بعين الاعتبار، خصوصا في الأحياء الشعبية والقديمة ومساكن الكراء المقسمة إلى غرف ووحدات صغيرة.
ومن بين الحلول الممكنة وضع آليات تسمح بتحديد عدد الأسر المستفيدة من العداد المشترك، مع اعتماد ضوابط واضحة للتحقق من وضعيتها، أو صيغة بديلة تراعي الاستهلاك وعدد المستفيدين وظروف السكن، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه دون فتح المجال أمام الاستغلال أو التحايل.
كما أن توضيح شروط الاستفادة من الإعفاء، وطريقة احتساب عتبة 100 درهم، ومدى ارتباطها بالفاتورة الإجمالية أو باستهلاك الأسرة، يظل ضروريا لتفادي الالتباس لدى المواطنين.
إن الرهان الحقيقي لأي إجراء اجتماعي لا يكمن فقط في الإعلان عن سقف مالي للإعفاء، بل في مدى قدرته على استيعاب واقع الفئات المستهدفة. فالفقر لا يُقاس بعدد العدادات، ولا تتحدد الحاجة إلى الدعم من خلال فاتورة مشتركة قد تتوزع تكلفتها على عدة أسر.
وفي الأحياء الشعبية، حيث تتقاسم أسر متعددة منزل واحد والماء والكهرباء، قد يتحول العداد الواحد إلى عائق أمام الاستفادة من إجراء وُضع، في الأصل، للتخفيف من الأعباء عن الفئات محدودة الدخل.
لذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح على الجهات المعنية هو: كيف يمكن ضمان استفادة الأسرة الفقيرة التي تتقاسم عدادا مع أسر أخرى، إذا كانت الفاتورة الإجمالية تتجاوز 100 درهم، بينما يظل استهلاك كل أسرة على حدة محدودا؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست تفصيلا تقنيا، بل شرط أساسي حتى لا يبقى الدعم الاجتماعي أسير الأرقام، بعيدا عن واقع السكن والمعيش اليومي للمواطنين.









