إذا كان عموم الموظفات والموظفين، والأجراء، يعدون من الصنف الأكثر أمانا فيما يخص الاقتطاع الضريبي، الذي يقتطع من المنبع، وبدون تمييز بينهم، على أساس الوضعية الاجتماعية، لكل أجير أو موظف، وبدون مراعاة للحالة الأسرية لكل فرد منهم، فهذا يعني شيئا واحدا لاغير، وهو غياب المساواة في المنطق التضامني، المبني على الوازع القيمي، والمرتبط بالإكراهات المعيشية المتنوعة. كعوامل الاعالة المتفاقمة للأبناء، والأمومة والأبوة. والعائلة الكبيرة، التي غالبا ما يكون أحد أفرادها، هو الكفيل الوحيد ويعيش هو الآخر حالة العوز الدائم او المؤقت،
الضريبة على الدخل كما هي حاليا، مجانبة لصواب عادلة المنطق الواقعي، الاجتماعي، الذي يتسم بتفاوتات لا حصر لها.لا يعقل تعميم ضريبة على الجميع، وبدون تمييز أو استثناء، وفي غياب الرجوع لدراسة القاعدة المبنية عل التكلفة، والوضعية الخاصة بكل أجير(ة) أو موظف(ة)، زيادة عل التحمل الناجم عن طبيعة الوضعيتين الأسرية والاجتماعية.
فالذين لديهم أطفال، أو يعيلون شبابا وصلوا لسن العمل وهم بلا عمل، ليس كالذين لوحدهم أو لا يتوفر على أسرة بعد! كما أن الذين لهم دخل قار، بجانب زوجاتهم، ليس كالذين لديهم زوجات ربات بيوت، ولا تتوفرن على أي دخل ، قادرات على تلبية مطالبهن الحياتية المشروعة، التي تؤكد عليها كل القوانين الدولية، كما أن الذين يعيلون الوالدين ليس كالذين ليست لهم مسؤولية في ذلك،
تخفيض الضريبة على الدخل، أو إلغاؤها تماما، لبعض الشرائح الاجتماعية، من الأجراء والموظفين، هو من صميم السياسات الاجتماعية المتوازنة، القادرة على إخراج عشرات الأسر من دوامة الهشاشة المقنعة بالوظيفة، هذه أصبحت مقرونة أكثر بالخصاص، وعدم القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي، من الحاجيات اليومية، والشهرية، والموسمية السنوية المكلفة، والقاهرة، المرتبطة بموروث ثقافي محظور من الصعب اثارته أو الخوض في تفاصيله المملة.
فالطبقة الوسطى وكما يعلم الجميع ، تدور دوما في فلك الديون والخصاص بصفة دورية، و تكون هذه الدورة مبهمة غير منطقية يصعب تحليلها، ومحزنة في نفس الوقت.
الموظف أو الأجير، هو المواطن المخلص للمواطنة، والغيور على استقرار مكانته الاجتماعية ، التي بدأت تتدهور بإصلاحات عرجاء في كل شيء، وبالغلاء الفاحش ، هذا الإخلاص من مظاهره، مساهمته في الميزانية العامة للدولة، من خلال الاقتطاع الضريبي الذي تعول عليه الدولة ، مادام يقتطع من المنبع .كما أنه، هو الوحيد الذي لا يتحايل ولا يتملص من دفع الضرائب المباشرة، وغير المباشرة، إذ يدفعها بانتظام، وبالتمام والكمال، وهو ما يساهم بطبعة الحال في تنشيط الدورة الاقتصادية، عن طريق الاستهلاك والقروض، والتضامن اللامحدود مع الدولة.
هذا التضامن أصبح مع التكاليف المرتفعة يفوق قدرة أغلب الموظفين ، وأجرته التي يتطلع إليها الكل، لا يتحمل كل الزيادات المتتالية في الأسعار، وإن احتج يجابه بالاقتطاع، في اطار المقاربة المنتقاة الأجر مقابل العمل، التي تنتهك راية و شعار المواطنة وحقوق الأنسان، في ظل غياب ربما يكون متعمدا للقانون المنظم للنقابات والإضرابات الذي لم يخرج للوجود إلى اليوم وتأخيره حاجة في نفس الدولة والباطرونا .
هذا الموظف المغلوب على أمره، الذي يؤدي الضريبة على القيمة المضافة على كل السلع والخدمات، يساهم بقوة القانون كذلك، في التضامن عند حدوث الكوارث الطبيعية أو الجوائح ، أو تفرض عليه ضرائب جديدة، باسم التضامن كما حدث في ضريبة التعويض عن الكوارث الطبيعية، المفروضة على جميع العقود، والتأمينات المتعلقة بوسائل النقل الخاصة والعامة، والتضامن في فترة الأوبئة مما يحدث حاليا، وللأسف يتم تجاهل التضامن الخفي لهؤلاء الموظفين البسطاء مع أهلهم وأسرهم التي تعاني في صمت، وتستحيي أن يسمعها الآخرون، بما فيهم من يهندسون للريع ويتقاسمون الوزيعة فيما بينهم، ويتساءلون في النهاية عن السبب وراء تبخيس المشهد السياسي العام.
أما التضامن الاجتماعي الأسري فحدث ولا حرج، حيث هذا الموظف أو الأجير الخارق، بموجب المسؤولية الاجتماعية الملقاة على عاتقه كرها ، القائمة على قاعدة الالتزام بضرورة إعالة الإخوة الصغار، ودعم الكبار، والوقوف معهم للأبد ماديا ومعنويا في حالة المرض والعطالة، مع الزامية توفير الحاجيات لهم على حساب متطلباته المعيشية المتزايدة، وغير المؤمنة للحياة الكريمة العادية، لدرجة أن هذا الموظف المسكين، أصبح يعيش في خوف وقهر دائم.
لأن المسؤولية الملقاة عليه تحولت إلى مسؤولية ثابتة، قد تهدد تماسك أسرته الصغيرة، وأسرته الكبيرة، والتي بحكم الحرمان البنيوي التاريخي، أصبحت تظن أنه يتوفر على آلة لطباعة الأوراق المالية.
إن عدالة الضريبة على الدخل، يجب أن تقوم على عدالة التمييز بين الأجراء والموظفين، من حيث مناطق الإقامة، وإعادة النظر في كل التعويضات والاقتطاعات ، فهناك من يعيل الأبناء الكبار، والصغار، وحتى الإخوة ، ويتكفل بتكاليف الأدوية للجمع وحتى للأب والأم ، والمصاريف المرتبطة بشيخوختهم الطبيعية، التي تتطلب المزيد من المصاريف والاهتمام، وبالتالي ينوب الموظف، الأجير، عن دور الدولة في نهج سياسات اجتماعية هي من صميم اختصاص الحكومات المتعاقبة.
الضريبة على الدخل، وبشكلها الحالي، مجانبة للصواب. وقاهرة لعموم الأجراء والموظفين، لكونها تأخذ النصيب الأوفر من عيش حياتهم ، حتى أصبح عموم الأجراء والموظفين تائهين، في تعداد عدد أيام الشهر، عوض الانفتاح على الترفيه عن النفس من خلال الاهتمام بالفن والثقافة، فكثرت العقد النفسية، حيث فقدت الثقة وتلاشت الحياة الكريمة، ورفع شعار نفسي نفسي، فانتشر اللاأمان الأسري، جراء غموض أفق المستقبل.
غياب العدالتين الضريبة والأجرية وتعميم هذه الضريبة بنفس النسبة على الجميع وفي كل الجهات، ظلم جارح، يناقض مفهوم العدالتين الأجرية والاجتماعية.
ولعل توسيع الوعاء الضريبي من خلال تضريب القطاعات المعفاة من الضرائب والأنشطة غير المهيكلة، خير من التمادي في قهر الموظف، المقهور والمثقل بتكاليف الحياة المعيشية، والأسرية والاجتماعية.
الموظف صمام أمان و استقرار للشرائح الاجتماعية الأخرى، والدفع به إلى الهامش واحتقاره عبر الاقتطاعات الإجبارية ، لا يستقيم مع قيم الطبقة الوسطى، فعلى الحكومة أن تعالج بكيفية معقلنة هذا الجانب الضريبي ، ضمانا للعيش الكريم و للاستقرار والحرية، والمساواة، والديمقراطية التشاركية، لا الديمقراطية التي تتهافت على المناصب والامتيازات.
الوطن يحتاج لطبقة وسطى واعية راقية ، لا لطبقة تسعى لتسييج مصالحها بمراسم الريع وتوزيع الأدوار باسم المشاركة السياسية ،ونتائج الانتخابات بشتى أشكالها خير دليل .










