هاشــم الخياطــي
لا يمكن اختزال العلاقة بين المغرب وموريتانيا في حدود جغرافية أو معطيات سياسية عابرة، فبين البلدين خيط ممتد من التاريخ المشترك والتداخل الثقافي والروحي الذي صمد أمام تحولات الزمن. إن ما يجمع الشعبين يتجاوز بكثير كل ما قد يبدو من اختلافات، إذ يتقاسمان نفس الروافد الحضارية، والعادات الاجتماعية، والمرجعية الدينية، في صورة تعكس وحدة إنسانية متجذرة في عمق الصحراء والمجال المغاربي.
لقد شكلت هذه الروابط عبر القرون أساساً لتواصل مستمر، سواء من خلال القوافل التجارية، أو الزوايا العلمية، أو الامتداد القبلي والعائلي. وهو ما يجعل الحديث عن التقارب بين البلدين ليس مشروعاً مستحدثاً، بل عودة طبيعية إلى سياق تاريخي ظل قائماً رغم كل التحولات.
في المقابل، برز المغرب خلال العقود الأخيرة كنموذج تنموي متصاعد، خاصة منذ اعتلاء محمد السادس العرش، حيث انخرطت المملكة في أوراش كبرى همّت تحديث البنيات التحتية، وتطوير الاقتصاد الوطني، وتعزيز جاذبية الاستثمار، إلى جانب توسيع نطاق التنمية ليشمل مختلف الجهات، بما فيها الأقاليم الجنوبية التي أضحت قطباً اقتصادياً واعداً.
هذا التحول لم يكن مجرد أرقام أو مشاريع، بل مثّل ما يمكن وصفه بـ”ثورة هادئة” أعادت تشكيل ملامح الدولة والمجتمع، وفتحت آفاقاً جديدة للتعاون الإقليمي. ومن هنا، تبرز موريتانيا كشريك طبيعي يمكنه الاستفادة من هذه التجربة، ليس بمنطق التبعية، بل في إطار تبادل الخبرات وبناء مسار تنموي مشترك يقوم على التكامل لا التنافس.
وفي خضم هذا النقاش، باتت الدعوات إلى تعزيز التعاون بين البلدين أكثر وضوحاً، خاصة في ظل الحركية التي تعرفها وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتقاطع صوت السياسيين والمثقفين والفاعلين المدنيين حول ضرورة الانتقال من مرحلة النوايا إلى مستوى المبادرات العملية. فتح الحدود، تسهيل انسياب السلع، تقليص القيود الجمركية، وتحفيز الاستثمارات المشتركة… كلها خطوات كفيلة بإرساء سوق اقتصادية واعدة تعود بالنفع المباشر على الشعبين.
التجارب الدولية تثبت أن التكتلات الإقليمية ليست مجرد خيار سياسي، بل ضرورة اقتصادية تفرضها تحديات العصر. من الاتحاد الأوروبي إلى التكتلات الآسيوية، يتأكد أن التكامل هو السبيل الأقصر نحو تحقيق النمو والاستقرار. وبالنظر إلى الإمكانيات التي يزخر بها المغرب وموريتانيا، فإن بناء نموذج تعاوني خاص بهما ليس حلماً بعيد المنال، بل مشروع قابل للتحقق إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية.
إن الرهان اليوم لا يكمن فقط في تعزيز العلاقات الثنائية، بل في تحويل هذا التقارب إلى نواة صلبة لمشروع مغاربي أوسع، طال انتظاره. فالتكامل بين الرباط ونواكشوط قد يشكل خطوة أولى نحو إعادة إحياء حلم الاتحاد المغاربي على أسس واقعية ومصالح مشتركة.
في النهاية، يبقى المستقبل رهيناً بقدرة البلدين على استثمار هذا الإرث المشترك وتحويله إلى قوة دافعة نحو التنمية. فحين تلتقي الإرادة بالطموح، يصبح الممكن أكثر اتساعاً، ويغدو التعاون خياراً استراتيجياً لا غنى عنه. المغرب وموريتانيا، معاً، أمام فرصة تاريخية لصياغة نموذج إقليمي ناجح… نموذج يثبت أن الجغرافيا قد تفرق، لكن التاريخ حين يتكلم، يوحد.










