قيادة بعيدة عن معاناة السكان
لم يعد ما يجري في مخيمات تندوف مجرد ملف سياسي عالق، بل صار فضيحة إنسانية وأخلاقية بكل المقاييس، بعدما وجد آلاف المحتجزين أنفسهم أسرى صراع مفتعل طال أمده، في وقت تحولت فيه قيادة جبهة البوليساريو، وفق منتقديها، إلى طبقة تعيش على استمرار الأزمة أكثر مما تسعى إلى حلها.
فالمشاهد التي خرجت أخيرا من داخل المخيمات، وما كشفته من توترات ومواجهات بين السكان، أسقطت بقوة تلك الصورة الوردية التي ظلت تُسوَّق تحت شعارات “العزة والكرامة”. فبدل مجتمع موحد خلف مشروع سياسي، ظهرت حقيقة أخرى: أزمة اجتماعية خانقة، وانقسامات داخلية، واحتقان يتفاقم يوما بعد يوم مع تدهور الأوضاع المعيشية.
من أبرز ما يُؤخذ على قيادة البوليساريو أنها تتحدث باسم سكان المخيمات من خارج واقعهم، بل ومن فوق معاناتهم. فبينما يقضي آلاف الصحراويين سنوات طويلة في ظروف قاسية وسط الصحراء الجزائرية، يعيش عدد من المسؤولين، بحسب تقارير وشهادات متداولة، خارج المخيمات، متنقلين بين الجزائر وعواصم أجنبية، ولا يعودون إليها إلا عند الحاجة إلى الظهور الإعلامي أو استقبال الوفود.
ويرى منتقدون أن هذا الفارق الفاضح بين حياة القيادات ومعاناة السكان يفضح جوهر الأزمة: كيف لمن لا يذوق مرارة المخيمات أن يحتكر الحديث باسم من يعيشون فيها منذ نصف قرن؟
ومن أكثر الملفات إثارة للريبة استمرار رفض إجراء إحصاء رسمي لسكان المخيمات، رغم المطالب الدولية المتكررة بذلك. ويعتبر مراقبون أن هذا الرفض لم يكن بريئا، بل فتح الباب أمام تضارب الأرقام، وأثار شكوكا واسعة حول العدد الحقيقي للمقيمين، كما غذى اتهامات باستغلال المساعدات الإنسانية الموجهة للمخيمات.
ويؤكد هؤلاء أن أي حديث عن حل سياسي أو إنساني يظل بلا قيمة ما لم تُعرف الحقيقة كاملة: من يوجد داخل المخيمات؟ ومن يستفيد فعلا من الدعم؟ ومن يقرر مصير هؤلاء الناس؟
يرى عدد من الباحثين أن الخطاب السياسي نفسه، الذي يُعاد تدويره منذ سبعينيات القرن الماضي، لم يعد يقنع أحدا، ولا ينسجم مع التحولات العميقة التي يعرفها العالم. ففي الوقت الذي تتجه فيه الدول إلى التنمية والتكامل الاقتصادي، لا تزال مخيمات تندوف عالقة في زمن الشعارات القديمة، بينما يدفع السكان وحدهم ثمن هذا الجمود العقيم.
ويذهب منتقدو الجبهة إلى أن استمرار الأزمة لا يخدم إلا من يتغذى عليها، سياسيا وماليا ودبلوماسيا، في حين يبقى الخاسر الأكبر هو الإنسان الصحراوي الذي حُرم من الاستقرار، ومن حقه الطبيعي في مستقبل واضح وكريم.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة هو: من المستفيد الحقيقي من بقاء هذا الملف مفتوحا إلى ما لا نهاية؟
فإذا كانت معاناة السكان مستمرة، وإذا كانت الأجيال الجديدة قد وُلدت وكبرت داخل المخيمات دون أفق حقيقي، فإن المستفيد الأول، بحسب المنتقدين، هم أولئك الذين حوّلوا القضية إلى وسيلة لتثبيت النفوذ، وتحصيل الامتيازات، وابتزاز الواقع باسم “النضال“.
ولهذا يصفهم خصومهم بأنهم “تجار قضية” لا أكثر، معتبرين أن استمرار الأزمة أصبح بالنسبة إليهم شرطا لبقاء المكاسب، لا سعيا لإنهاء المأساة.
بعيدا عن لغة التخوين والمزايدات، فإن المستقبل لن يصنعه استمرار القطيعة ولا التمسك بالوهم، بل الحوار الجاد والحلول الواقعية التي تضع كرامة الإنسان فوق كل الحسابات.
إن سكان تندوف يستحقون حياة تخرجهم من دائرة الانتظار الطويل، وتمنح أبناءهم فرصة العيش الكريم بعيدا عن الاستغلال السياسي، لأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات الجوفاء، بل بالتنمية والاستقرار والاختيارات الشجاعة.
بعد أكثر من خمسة عقود، لم يعد السؤال يتعلق فقط بمن يربح المعركة الدبلوماسية، بل بمن يدفع ثمن استمرارها. والجواب، في نظر كثير من المتابعين، واضح: إنهم سكان المخيمات الذين ظلوا عالقين بين حسابات السياسة ومصالح القيادات.
أما مستقبل المنطقة، فلن تصنعه الشعارات ولا المتاجرة بالمآسي، وإنما إرادة حقيقية لتجاوز الماضي، ووضع الإنسان في صلب أي حل، بعيدا عن تحويل قضية طال أمدها إلى مشروع دائم لإدامة الأزمة، كما يرى منتقدو جبهة البوليساريو.










