مستجدات

جمهورية الطوابير… عندما يتحول الملح إلى “مادة استراتيجية” في الجزائر

طاقم ALLNEWS2 مارس 2026
جمهورية الطوابير… عندما يتحول الملح إلى “مادة استراتيجية” في الجزائر

مع مطلع شهر رمضان 2026، اكتشف المواطن الجزائري أنه لم يعد بحاجة إلى اشتراك في نادٍ رياضي، فرياضة «الاصطفاف» أصبحت مجانية ومفتوحة للجميع… والهدف هذه المرة ليس زيتاً ولا سميداً، بل كيس ملح واحد. نعم، ملح. ذاك الذي قيل لنا إنه متوفر بوفرة «سيادية» لا ينازعها أحد.

قرار «تسقيف المبيعات» حوّل رفوف المتاجر إلى خطوط تماس، وأعاد تعريف مفهوم الندرة في بلد يفاخر بملاحاته وسباخه الممتدة على آلاف الهكتارات، وبإنتاج نظري يفوق نصف مليون طن سنوياً. لكن يبدو أن رحلة كيس الملح من المصنع إلى دكان الحي في العاصمة تحتاج إلى معجزة لوجستية تتجاوز قدرات دولة رفعت شعار «السيادة الغذائية» في كل خطاب… إلا في التطبيق.

المفارقة التي لا تحتاج إلى تعليق طويل أن الجزائر، المطلة على بحر من الأملاح، وجدت نفسها أمام «أزمة ملوحة». والسبب؟ اكتشاف متأخر بأن وحدة إنتاج كبرى في الوادي كانت تسوق ملحاً «بلا يود» لسنوات. أما الحل العبقري، فكان غلق المصنع فوراً… وترك المواطن يبحث عن البديل في فراغ الرفوف. كأن المشكل في الملح ذاته، لا في منظومة الرقابة والتوزيع.

لم تمر الأزمة بهدوء. منصات التواصل الاجتماعي تحولت إلى كرنفال ساخر. تساءل الجزائريون: «إذا اختفى الملح اليوم، فماذا سيختفي غداً؟ الهواء؟». آخرون اقترحوا إدراج الملح ضمن قائمة «المواد الاستراتيجية» التي تُمنح ببطاقة تعريف بيومترية وتزكية من الحي.

وفي ظل ما يسميه البعض «الحلول الجاهزة»، لم يستبعد نشطاء أن يُقترح قريباً خيار استراتيجي مبتكر: التوجه إلى الشواطئ واغتراف ماء البحر مباشرة للطبخ، حفاظاً على المخزون الوطني، وضرباً لـ«المؤامرة الخارجية» التي لا تترك قدراً جزائرياً إلا واستهدفت ملوحته. هكذا قد تتحول 1200 كيلومتر من السواحل إلى مخازن طبيعية مفتوحة… إذا تعذر تأمين كيس ملح من المصنع إلى المستهلك.

من “القوة الضاربة” إلى “جمهورية الطوابير”

الأزمة، رغم بساطتها الظاهرية، كشفت هشاشة شعارات كبيرة تبخرت عند أول اختبار أمام أبسط مادة استهلاكية. في وقت تُصرف فيه المليارات على بروباغاندا العداء وصناعة الخصوم الوهميين، وجد النظام نفسه عاجزاً عن ضمان تدفق مادة هي الأرخص في الطبيعة.

وهكذا أضيف إنجاز جديد إلى سجل المفارقات: تصنيف الملح، أرخص ما تجود به الأرض، ضمن خانة «النفائس» المفقودة. وتكريس واقع بات كثيرون يختصرونه بعبارة واحدة: «جمهورية الطوابير»، حيث يصبح الاصطفاف أسلوب حياة، وحيث يتحول كيس ملح إلى رمز لاختلال أعمق من مجرد أزمة تموين عابرة.

في النهاية، قد يختلف الجزائريون في السياسة والاقتصاد، لكنهم اتفقوا هذه الأيام على حقيقة واحدة: أن بلداً يملك كل هذا الامتداد البحري، وكل تلك المساحات المالحة، لا ينبغي أن يعجز عن تأمين حفنة ملح… إلا إذا كانت المشكلة أعمق من مجرد ملح.

 

الاخبار العاجلة