برز موضوع الإعلام والأزمات, أو الإعلام في مواجهة الأزمات بكل وسائله التقليدية والجديدة, المقننة والبديلة وإعلام المواطن, وبمستوياته المختلفة الوطنية “المحلية” والإقليمية, والدولية الموجهة للآخر, خاصة في عصر الإعلام الفضائي والإعلام بلا حدود وإعلام النترنت كركن أساسي من أركان مواجهة الأزمة واحتوائها. تُعتَبَرُ وسائل التواصل الاجتماعي من أهم السبل في إدارة الأزمات خلال عصرنا الراهن، حيث لا تجد اليوم أزمة إلاّ وقد ساهمت وسائل الإعلام في افتعالها أو السيطرة عليها.
وفي هذا الإطار فإن وظيفة الصحفي الأساسية كما هي متعارف عليها في جميع البلدان، هي النقد البناء، والصحفي حساس بطبعه، وإذا لم يكن الصحفي ناقدا فسيكون داعية أو مبشراً وسكون يغرد خارج السرب، في حين إن مهمته هي تساؤلية وليست وعظية، وهي مهمة تنويرية، عقلية، وليست يقينية إيمانية. وأعتقد أن كل ما حولنا هو مدعاة للنقد، ويمكن للصحفي أن يلعب دوراً إيجابياً بانحيازه إلى جانب قيم الحق والعدل والجمال والخير والسلام والتسامح ودفاعه عنها، وهي بلا أدنى شك قيم إنسانية لبني البشر جميعاً، دون تمييز أو تحيز لأي سبب كان.
وكلّما كانت كتابات الصحفي رصينة وبعيدة عن الأخبار المنحطة ومترفعة عن كل ما له علاقة بالأخبار الزائفة أو الملفقة أو المنحازة ، استطاع أن يؤثر على نحو إيجابي على عموم المجتمع، وإذا كانت هناك تحديات يواجهها الصحفي سواءً في علاقته مع السلطة وعلاقته مع بعض التقاليد التي عفى عليها الزمن، فإنه يمكن أن يواجه أحياناً جماعات أخرى باسم الدين ، وهؤلاء هم مادة خام لصناعة التعصّب وإنتاج التطرف، وتحاول هذه القوى أن تحدّ من تقدّم المجتمع وحرياته، تحت عناوين مختلفة، وذرائع واهية.
على الصحفي أن يكون ملهماً كلّما كان خارج نطاق الانقسامات المذهبية والانحيازات المسبقة، تلك التي لا تزال تفعل فعلها في مجتمعاتنا التي تعيش صراعا بين الحضارة والبداوة ، والتي لا تزال تتمسّك بشعارات “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً “.
ولعل الإعلام في زمن العولمة مؤثر جداً بحكم وسائل الاتصال والمواصلات، والطفرة الرقمية ، والفضائيات والانترنيت والهاتف النقال ومواقع التواصل الاجتماعي الذي غزا كل بيت ، والمواطن الصحفي ، أو صحافة المواطن ، وهذه كلّها تؤثر على عقول الناس وأذواقهم وخياراتهم، وبقدر ما يمكن أن تدلّهم على الطريق السليم، فإنها يمكن أن تقصفهم بمدفعيات ثقيلة، وربّما أكثر خطراً من السلاح الفعلي، فالحرب تنشأ في العقول، مثلما يبنى السلام في العقول أيضاً .
لذلك كلما كان نقل الأخبار عقلانياً، ، كلّما استطاع أن يؤسس لحالة حوار مجتمعي، وتلك إحدى السبل المناسبة لمواجهة الأزمات الراهنة دون انفعال ، أو ردود أفعال من شأنها أن تؤدي إلى زيادة حدّة التوتر، وهنا يلعب العقل دوراً فاعلاً، من خلال الخطاب الذي يتبنّاه الصحفي، خصوصاً إذا كان متماهياً مع قضيته العادلة، وهي بالأساس قضية النزاهة والشفافية والإبداع والحرية، تلك التي ينبغي مراعاتها بكل الأحوال والظروف حتى يمكن للجميع أن يقولوا فعلا هناك صحافة جادة أتركوها تعمل بحرية إنها نبراس المجتمع الذي يريده الجميع.










