الدكتور الجامعي أبوالشتاء
حينما اقتادوني إلى المرفأ، كنتُ أعلم أنها المرة الأخيرة التي أرغم فيها على الجلاء، نظرتُ خلفي أودع شعاع الشمس ،بدت باهتة والنوراس تفض سكينة الغروب ، شعرت وقتها أنّي فوق فوق ، أُحلق معها وأرسم دوائر حلزونية علني أقتنص مرارة المشهد من بعيد، رأيت كل شيء من هناك ، رأيت الأشياء التي ألفتها كانت متداخلة في فوضى أبدية عرفتها من ألوانها المنسابة إليها من نسغ التراب وشفافية الغروب .
أمروني بعد إرسالي من ضراوة القيد أن أغادر، قالوا بصوت هادر نحن أسياد الأرض .
وهكذا خرجت لأضرب في غيابات التيه، أدور في دوائر بلا نهاية، أعبر كل المرافئ البرية والبحرية ، كل الطرقات أكلت من نعالي ألفتني كل المسالك والمسارب ، خفيف بلا زاد إلا من عصا أتوكأ عليها وليس لي فيها مآرب أخرى.
كلمة “العصا” تُذكرني بموسى كثيرًا، ذاك الرجل الذي خرج من المدينة خائفا يترقب، أتساءل عن حاله، بماذا شعر؟ هل بكى؟ بالتأكيد تضرع إلى الله، نادى من بين الألم والرجاء: ربي نجني من القوم الظالمين ، كان تائها في التواء المسالك الصحراوية ،لعن الرجل الذي هو من شيعته ،لأنه مِنْ عَمَلِ ٱلشيطان فهو عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ.
أين المصير؟
يتكرر المشهد لما وجد بماء مدين امرأتين تدودان فسقى لهما و تولى إلى الظل.
جاءت على استحياء تطلبه، سمع الصوت القادم إليه، يا هذا الرجل هلم إلى أي ليجزيك أجر ما سقيت لنا .
لماذا تم جلائي؟
وما بال تلك الأرض التي فارقتها تسكنني؟ لما شمسها لم تأفل حين رحيلي؟ ألهٌ مع الله؟
ما بالها لا تنطفئ شعلتها كنار فوق علم ؟، ما بالي أصبحت مقرورا أصبوإالى قبس لافح ؟ ما بال كل الأحاسيس تأبى إلا العودة بي إلى الماضي، إلى أعماق روحي، حيث جذوةٍ مشتعلةٍ ما فتئت تكويني في كل حين، وأثر الاكتواء دائمٌ لا يزول، مؤلمٌ قاتلٌ مدمرٌ مزلزلٌ ليس إلى انتهاءٍ يؤول؟ ها قد مرت أعوامٌ نسيت عددها، وهي قد نسيت وها أنا أمارس الحياة بلا حياة، لعن الله الغربة والاغتراب.
أعود إلى التيه وموسى لما ضرب البحر بعصاه فانفلق عبر إلى أرض التيه عرفت يومها أن بلادي ذبحت على معبد الرب في أورشليم ، وأنني سأعوي في الصحراء كذئب بلا مأوى.








