هاشـــم الخياطـــي
شهدت مدينة آسفي، ومعها عدد من جماعات الإقليم، واحدة من أقسى الكوارث الطبيعية خلال السنوات الأخيرة، إثر تساقطات رعدية كثيفة وقصيرة المدة، لكنها شديدة الوقع. هذه الأمطار تحولت في ظرف وجيز إلى سيول جارفة اجتاحت الشوارع والأحياء، مخلفة خسائر بشرية ومادية ثقيلة، وناشرة حالة من الذهول وسط الساكنة.
مشاهد الفيضانات التي انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي جسدت حجم الكارثة؛ سيارات جرفتها المياه، منازل غمرتها السيول، وأحياء حوصرت بالكامل، ما دفع فرق الإنقاذ إلى اللجوء للقوارب للوصول إلى السكان العالقين. صور أعادت طرح أسئلة جوهرية حول جاهزية البنية التحتية، وفعالية آليات التدخل، وقدرة المدن على مواجهة الظواهر المناخية القصوى.
ورغم أن التساقطات كانت استثنائية من حيث الشدة، فإن حجم الأضرار المسجلة كشف عن اختلالات بنيوية مزمنة، على رأسها ضعف شبكات تصريف مياه الأمطار، وغياب الصيانة الدورية، إلى جانب أعطاب في التخطيط العمراني، خصوصًا بالأحياء القديمة والمناطق المنخفضة. ففي مثل هذه السياقات، لا تتحول الأمطار إلى مأساة إلا حين تلتقي قوة الطبيعة بغياب الاستباق وسوء التدبير.

وتأتي فيضانات آسفي في ظل سياق مناخي متقلب، يشهد فيه المغرب تداخلاً حادًا بين فترات الجفاف وتساقطات غزيرة ومفاجئة، ما يفرض مراجعة جذرية لطريقة التعاطي مع المخاطر الطبيعية، والانتقال من منطق التدخل بعد الكارثة إلى منطق الوقاية والتوقع.
الحد من آثار الفيضانات وحماية أرواح السكان يمران عبر إجراءات عملية ومستعجلة، في مقدمتها تأهيل وتوسيع شبكات تصريف مياه الأمطار، وضمان تنظيفها وصيانتها بشكل منتظم. كما يفرض الواقع إعادة النظر في سياسات التعمير، ومنع البناء في مجاري الأودية والمناطق المهددة، مع توفير بدائل سكنية آمنة للأسر القاطنة بالمناطق الخطرة.
وتبرز الحاجة أيضًا إلى إرساء أنظمة إنذار مبكر محلية، تعتمد على المعطيات الجوية الدقيقة، لتمكين السلطات والسكان من الاستعداد المسبق. إضافة إلى ذلك، يبقى تعزيز جاهزية فرق الوقاية المدنية، وتزويدها بالوسائل اللوجستية والتقنية اللازمة، عنصرًا حاسمًا في تقليص الخسائر عند وقوع الكوارث. كما أن إدماج بعد المخاطر المناخية في مختلف المشاريع التنموية لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحة.
ما حدث في آسفي لا يمكن اختزاله في حادث عرضي، بل يمثل جرس إنذار وطني يستدعي تحديد المسؤوليات وربطها بالمحاسبة، بدل الاكتفاء بخطاب التعزية بعد كل كارثة. فحماية المواطنين، خاصة الفئات الهشة، تبدأ من التخطيط السليم، وتمر عبر التنفيذ الجاد، وتنتهي بالمراقبة الصارمة.
اليوم، لم يعد المطلوب مجرد إحصاء الخسائر،أو زيارة الضحايا في المستشفى ، بل يجب استخلاص الدروس واتخاذ قرارات شجاعة تضع سلامة الإنسان في صلب السياسات العمومية، حتى لا تتحول كل تساقطات مطرية مقبلة إلى مأساة إنسانية جديدة، و لم يبق لنا أن نقول سوى وا أسفي على آسفي.










