في زمن تبدو فيه الحقائق أوضح من شمس منتصف النهار، يتعمد الكثيرون الهروب منها، ليس جهلاً بها، ولكن لأن مواجهتها تعني تحمل مسؤوليات وتبعات لا طاقة لهم بها. إنها مرحلة “التيه” بامتياز، حيث يدور الجميع في دوائر مغلقة، ويُستبدل الوعي بالتأويل، ويُحقن الضمير بجرعات مؤقتة من التخدير الأخلاقي والمعرفي، كلما اشتد الألم أو اشتعل السؤال.
نحن نعيش مفارقة صادمة: كل مقومات النهضة والريادة بين أيدينا، ومع ذلك لا نحصد إلا المزيد من الانحدار. لدينا دستور إلهي لم تطله يد التحريف، ولغة جامعة لا تُضاهيها أي لغة في سعتها وثرائها، وموارد طبيعية وبشرية لا تقدر بثمن: ثروات هائلة، عقول فذة، ملياران من الأيدي العاملة، جغرافيا تمتد من الجليد إلى الصحارى، من الجبال إلى السواحل. ورغم كل ذلك، نراوح أماكننا، أو نسير إلى الخلف، في مشهد عبثي يحاكي مسرحيات العبث الكبرى.
ما السبب؟ لا شيء سوى رفضنا العنيد لمواجهة الحقيقة. نأبى أن نطرح السؤال الجوهري: “أين الخلل؟” لأن الإجابة ستكسر أوهاماً دامت طويلاً، وستكشف عن مسؤوليات فردية وجماعية نحن غير مستعدين لتحملها. لذلك، نفضل أن نلوذ بتفسيرات سطحية، نتذرع بنظريات المؤامرة، أو ننتظر “المنقذ” الذي سيأتي يوماً ما ليُصلح كل شيء، وكأن الأمم تبنى بالأحلام والانتظار.
إن ما نعيشه ليس نقصًا في المؤهلات، بل عجزًا في الإرادة. إنه اغتيال منهجي للعقل، وتفريط في القيم، وكسل في الفعل، وخوف من التغيير. لذلك، ليس غريبًا أن تكون النتيجة: قبض ريح. لا تقدم، لا كرامة، لا استنهاض.. فقط تخلف يتجذر، وهوان يتعمق، وانحدار يبدو بلا قاع.
نحتاج إلى صدمة وعي لا إلى مسكنات، إلى مواجهة حقيقية لا إلى تبريرات خادعة، إلى إعادة ترتيب أولوياتنا، والبدء من الداخل.. من الذات التي تعيش في إنكار عميق لحقيقتها. حينها فقط، يمكن أن تنتهي مرحلة التيه، ويبدأ طريق النهضة. فالتاريخ لا يرحم المتقاعسين، ولا يمنح المجد لمن يفر من الحقيقة.










