هاشــم الخياطــي
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المرتقب تنظيمها يوم 23 شتنبر المقبل، يعود الجدل إلى الواجهة حول جدوى استمرار تمويل المهرجانات الثقافية والمواسم الشعبية التي تنظمها الجماعات الترابية، خاصة وأن هذه التظاهرات تتزامن هذه السنة مع فترة الصيف، أي مع مرحلة حساسة تسبق الحملة الانتخابية.
وتطرح هذه الظرفية تساؤلات حقيقية حول الحدود الفاصلة بين العمل الثقافي المشروع والاستثمار السياسي غير المعلن، إذ يرى عدد من المتتبعين أن استمرار صرف المال العام على هذه الأنشطة في هذا التوقيت بالذات قد يفتح الباب أمام توظيفها لأغراض انتخابية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر استمالة الناخبين أو تعزيز الحضور الرمزي لبعض المنتخبين في دوائرهم.
ويؤكد منتقدو هذه الظاهرة أن المهرجانات، التي يفترض أن تكون فضاءات للاحتفاء بالتراث المحلي وتعزيز الإشعاع الثقافي، تتحول في كثير من الأحيان إلى منصات دعائية مبطنة، يتم من خلالها استعراض الإنجازات وتلميع الصورة السياسية، مستفيدين من غياب رقابة صارمة على طرق تدبيرها وتمويلها.
في المقابل، يرى مدافعون عن هذه التظاهرات أن توقيفها بدعوى تزامنها مع الانتخابات قد يضر بالحركية الاقتصادية والسياحية، خاصة في المناطق التي تعتمد بشكل كبير على هذه المواسم لتنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، وتوفير فرص شغل موسمية، فضلاً عن الحفاظ على استمرارية تقاليد ثقافية متجذرة في المجتمع.
غير أن هذا الطرح لا يلغي الحاجة إلى إرساء ضوابط واضحة تضمن فصل العمل الثقافي عن أي توظيف سياسي محتمل، من خلال اعتماد معايير شفافة في تمويل وتنظيم هذه الفعاليات، وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين، بما يحصّن المسار الديمقراطي من أي تأثيرات غير متكافئة.
وفي هذا السياق، ترتفع أصوات تطالب بوقف أو على الأقل تعليق تمويل المهرجانات والمواسم الشعبية خلال الفترة التي تسبق الانتخابات، كإجراء احترازي يهدف إلى حماية نزاهة العملية الانتخابية، وتفادي أي لبس قد يطبع علاقة المواطن بالعمل السياسي.
بين ضرورة الحفاظ على الدينامية الثقافية والاقتصادية، وواجب صون شفافية الانتخابات، يظل السؤال مطروحاً: هل يمكن تحقيق التوازن بينهما، أم أن المرحلة تقتضي تغليب منطق الحياد وتجميد هذه الأنشطة مؤقتاً؟
وتزداد حدة هذا النقاش في ظل مؤشرات تفيد بتنامي كلفة تنظيم هذه التظاهرات سنة بعد أخرى، دون تقييم دقيق لعائدها الثقافي أو التنموي، وهو ما يثير تساؤلات حول أولويات الإنفاق لدى بعض الجماعات الترابية، خاصة في سياق اقتصادي يتسم بضغط متزايد على الموارد العمومية وارتفاع انتظارات المواطنين في مجالات أكثر إلحاحاً كالصحة والتعليم والبنيات التحتية.
كما يلفت فاعلون مدنيون إلى أن الإشكال لا يكمن فقط في توقيت المهرجانات، بل أيضاً في طبيعة الحكامة التي تؤطرها، حيث تغيب في أحيان كثيرة آليات الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، مما يفتح المجال أمام شبهات سوء التدبير أو توجيه الصفقات بشكل يخدم مصالح ضيقة، قد تكون ذات طابع انتخابي.
وفي هذا الإطار، يدعو خبراء في الشأن الانتخابي إلى ضرورة تدخل السلطات الوصية لإصدار توجيهات واضحة وصارمة، تحدد كيفية تدبير الأنشطة الثقافية خلال الفترات السابقة للاستحقاقات، بما يضمن عدم استغلالها كوسيلة للتأثير على إرادة الناخبين. كما يقترحون إخضاع هذه التظاهرات لرقابة قبلية وبعدية، تشمل مصادر التمويل، طبيعة البرمجة، وهوية المستفيدين.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال البعد الرمزي والاجتماعي للمواسم الشعبية، التي تشكل جزء من الذاكرة الجماعية والهوية المحلية، وهو ما يجعل قرار إلغائها أو تعليقها مسألة حساسة قد تُفهم على أنها مساس بتقاليد راسخة. لذلك، يطرح البعض خياراً وسطاً يتمثل في الإبقاء على هذه التظاهرات، لكن مع تقليص ميزانياتها، ومنع أي حضور أو استغلال سياسي مباشر أو غير مباشر خلالها.
وفي خضم هذا الجدل، يبقى الرهان الأساسي هو تعزيز ثقة المواطن في العملية الانتخابية، عبر ضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين، وإبعاد المال العام عن كل ما يمكن أن يُفهم كوسيلة للتأثير أو الاستمالة. فالديمقراطية لا تقاس فقط بصناديق الاقتراع، بل أيضاً بمدى نزاهة السياق الذي تُجرى فيه الانتخابات.
وبين دعوات المنع المطلق، ومقترحات التقنين الصارم، تظل الكرة في ملعب صناع القرار، الذين يُنتظر منهم إيجاد صيغة متوازنة تحمي المال العام، وتصون الفعل الثقافي، وتضمن في الآن ذاته انتخابات نزيهة تعكس الإرادة الحقيقية للناخبين.










