بعد قضائه سنة كاملة خلف القضبان في الجزائر، لم تُطوَ صفحة معاناة الكاتب الجزائري-الفرنسي بوعلام صنصال، بل دخلت فصولاً أكثر تعقيداً، تكشف بوضوح حجم التوتر القائم بين السلطة والكلمة الحرة في الجارة الشرقية. فالإفراج الذي تم تحت ضغط دولي، قاده الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، لم يكن نهاية القصة، بل مجرد محطة في مسار طويل من التضييق والملاحقة.
ما يتعرض له صنصال اليوم يعكس ذهنية سياسية لم تتصالح بعد مع حرية التعبير، حيث لا يزال النظام، بقيادة عبد المجيد تبون، يتعامل مع الرأي المخالف باعتباره تهديداً وجودياً، لا مجرد اختلاف في وجهات النظر. فـ”ذنب” الكاتب لم يتجاوز التعبير عن مواقف فكرية في وسائل إعلام، تناول فيها قضايا تاريخية شائكة، لكن الرد جاء قاسياً، بلغ حد السجن والتشهير.
ولم تقف الأمور عند حدود الاعتقال، بل امتدت إلى حملة إعلامية ممنهجة، استُخدمت فيها منصات رسمية وشبه رسمية لتشويه صورته، عبر إلصاق تهم جاهزة به، من قبيل الترويج لأطروحات متطرفة، في محاولة واضحة لعزله عن محيطه الثقافي والفكري. وهي أساليب لم تعد خافية، تعكس خوفاً عميقاً من تأثير الكلمة حين تخرج عن الخط المرسوم.
وفي خضم هذا التصعيد، برزت مؤشرات أكثر إثارة للقلق، من بينها تجريد الكاتب من وثائقه الرسمية والتضييق عليه مهنياً، في خطوات توحي بأن الأمر لا يتعلق فقط بإسكات صوت، بل بمحاولة محوه رمزياً. كما تم توظيف تحولات مساره الأدبي، مثل مغادرته دار نشره السابقة، لتغذية سردية دعائية لا تخلو من التوجيه.
وتزداد حساسية هذا الملف مع شروع صنصال في الحديث عن تجربته داخل السجن، وهي تجربة يُخشى داخل دوائر القرار أن تتحول إلى مادة أدبية توثق ما جرى خلف الأسوار. فالتاريخ يثبت أن الشهادات الصادقة، حين تتحول إلى نصوص، تكتسب قوة مضاعفة، تتجاوز الرقابة وتصل إلى الرأي العام العالمي.
وفي خطوة غير مسبوقة، أعلن الكاتب عزمه مقاضاة الرئيس الجزائري، متهماً إياه بالوقوف وراء متابعته القضائية، في تطور يعكس انتقال المواجهة من المجال الإعلامي إلى ساحة القانون الدولي. وهو ما يضع النظام أمام اختبار جديد، ليس فقط داخلياً، بل أيضاً على مستوى صورته الخارجية.
إن قضية بوعلام صنصال تتجاوز شخصه، لتطرح سؤالاً أعمق حول واقع الحريات في الجزائر: هل يمكن بناء دولة حديثة في ظل الخوف من الكلمة؟ وهل يُعقل أن تتحول الآراء إلى جرائم، والكتّاب إلى متهمين؟
قد تنجح الأنظمة في فرض الصمت مؤقتاً، لكنها تعجز عن إسكات الفكرة. فالكلمة الحرة، مهما حوصرت، تجد دائماً طريقها إلى الضوء… وحين تخاف السلطة من قلم، فذلك دليل على هشاشتها، لا على قوة الكاتب.
وكان صنصال قد حُكم عليه بالسجن خمس سنوات بتهم مرتبطة بـ“تمجيد الإرهاب” و“المساس بأمن الدولة”، قبل أن يُفرج عنه بموجب عفو رئاسي بعد حوالي عام من الاعتقال، وهي القضية التي ما يزال يعتبرها الكاتب “محاكمة سياسية”.
وحري ذكره أن صلصال اتهم من طرف النظام الجزائري بـ«المساس بالوحدة الوطنية» بسبب تصريحات أدلى بها في 2024 لوسيلة الإعلام الفرنسية اليمينية المتطرفة «فرونتيير»، حيث اعتبر أن الجزائر ورثت من الاستعمار الفرنسي أراضي من غرب الجزائر، مثل وهران ومعسكر وتندوف ، التي كانت تنتمي سابقاً، حسب رأيه، إلى المملكة المغربية العريقة.








