القنيطرة أمام امتحان اجتماعي وصورة مدينة على المحك
هاشــم الخياطــي
تعيش مدينة القنيطرة على وقع مشاهد اجتماعية مقلقة باتت تثير الكثير من علامات الاستفهام، بعدما تحولت بعض شوارعها وأرصفَتها، خلال ساعات الليل والنهار، إلى فضاءات مفتوحة لأطفال وقاصرين من مختلف الأعمار، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، في ظروف إنسانية واجتماعية قاسية لا تليق بكرامة الطفولة.
وتتكرر هذه المشاهد بشكل لافت في عدد من النقط والشوارع، حيث ينتشر أطفال صغار يتنقلون بين المارة، بعضهم يمتهن التسول، فيما يدخل آخرون في مشاحنات وعراكات فيما بينهم، وسط غياب واضح لأي تأطير أو حماية اجتماعية فعالة.
ولا يتوقف الأمر عند التسول أو افتراش الأرصفة، إذ يشتكي عدد من المواطنين والزوار من مضايقات متكررة، خصوصاً للفتيات والنساء، وهو ما بات يخلق حالة من التوتر في بعض الفضاءات العمومية، ويطرح أسئلة جدية حول الجهات المسؤولة عن حماية هؤلاء الأطفال، وفي الوقت نفسه حماية المواطنين والزوار من مختلف أشكال السلوكيات المقلقة.

المشهد، في حد ذاته، يتجاوز كونه مجرد ظاهرة مرتبطة بالتسول أو التشرد، لأنه يكشف عن أطفال يعيشون خارج منظومة الحماية الأسرية والاجتماعية، ويقضون ساعات طويلة في الشارع، معرضين للاستغلال والعنف والانحراف، بدل أن يكون مكانهم الطبيعي داخل أسرهم أو المؤسسات التعليمية ومراكز الرعاية والتأهيل.
فالقنيطرة، باعتبارها مدينة تعرف حركية عمرانية واقتصادية متزايدة، مطالبة اليوم بأن تتعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها ملفاً اجتماعياً مستعجلاً، وليس مجرد مشاهد عابرة يمكن الاعتياد عليها. فالطفل الذي ينام في الشارع اليوم قد يصبح غداً ضحية للاستغلال أو الجريمة أو الإدمان، إذا لم يتم التدخل في الوقت المناسب.
كما أن معالجة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تتم بمنطق أمني صرف، لأن هؤلاء الأطفال، قبل كل شيء، ضحايا أوضاع اجتماعية وأسرية معقدة، ويحتاجون إلى الحماية والتأهيل والتعليم والرعاية أكثر مما يحتاجون إلى المطاردة والإبعاد من مكان إلى آخر.

إن استمرار مشاهد أطفال صغار يفترشون أرصفة القنيطرة ليلاً، ويتسولون نهاراً، ويتشاجرون فيما بينهم ويضايقون بعض المارة، ليس مجرد تفصيل صغير في المشهد الحضري، بل إنذار اجتماعي يستدعي تدخلاً عاجلاً ومسؤولاً.
فإذا كانت المدن تستعد لاستقبال العالم، فإن أول اختبار حقيقي لصورتها يبدأ من طريقة تعاملها مع أطفالها الأكثر هشاشة. ولا يمكن الحديث عن مدينة حديثة وجاذبة للاستثمار والسياحة والفعاليات الدولية، بينما يبقى أطفال في مقتبل العمر يواجهون الشارع وحدهم.
القنيطرة تحتاج إلى خطة عاجلة لمعالجة الظاهرة، عنوانها حماية الطفولة، وإعادة الإدماج، واستعادة الفضاءات العمومية، قبل أن يتحول هذا المشهد المؤلم إلى صورة دائمة تسيء إلى المدينة وإلى المجتمع بأكمله.
ولعل الأخطر في هذه الظاهرة أن استمرارها لفترة طويلة يجعلها تتحول تدريجياً إلى مشهد مألوف، بعدما اعتاد السكان رؤية أطفال وقاصرين يتجولون في الشوارع لساعات طويلة، دون أن يثير وجودهم دائماً الاستنفار المؤسساتي المطلوب. غير أن الاعتياد على الظاهرة لا يعني أنها أصبحت طبيعية، بل قد يكون مؤشراً على اتساع دائرة العجز عن معالجتها.
فحين يصبح الرصيف مأوى لطفل، والشارع فضاءً للنوم والتسول، فإن القضية لم تعد مرتبطة بسلوك فردي، وإنما أصبحت مسؤولية جماعية تتطلب تدخلاً من مختلف المتدخلين. كما أن ترك القاصرين في الشارع لساعات الليل والنهار يجعلهم أكثر عرضة لمخاطر متعددة، من الاستغلال إلى العنف والاتجار والاستدراج إلى شبكات إجرامية.
ومن جهة أخرى، فإن شكاوى المواطنين من بعض السلوكيات المزعجة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة إلى معاقبة الأطفال أو التعامل معهم كخطر اجتماعي، بل ينبغي أن تكون مدخلاً لمعالجة أصل المشكلة. فالطفل الذي ينام في الشارع لا يختار بالضرورة هذا المصير، وغالباً ما يكون نتاجاً لتفكك أسري أو فقر أو إهمال أو ظروف اجتماعية معقدة.
وفي المقابل، فإن حماية الأطفال لا تعني تجاهل حقوق باقي المواطنين في استعمال الفضاءات العمومية بأمان وطمأنينة. ولذلك فإن المطلوب هو تحقيق التوازن بين الأمرين: حماية القاصرين من مخاطر الشارع، وضمان حق السكان والزوار في فضاء عمومي منظم وآمن.
وتزداد المسؤولية مع اقتراب الاستحقاقات الدولية الكبرى التي سيستضيفها المغرب، إذ ستكون المدن المغربية تحت أنظار ملايين الزوار والمتابعين. ولن تكون صورة الملاعب والمنشآت الحديثة وحدها كافية لصناعة صورة إيجابية عن المدن، بل إن تفاصيل الحياة اليومية، من نظافة الشوارع إلى النقل والخدمات والتعامل مع الفئات الهشة، ستكون جزءاً من الانطباع العام.
ومن هنا، فإن القنيطرة مطالبة بالتحرك قبل أن تتفاقم الظاهرة أكثر، عبر إحداث آلية محلية دائمة لرصد الأطفال في وضعية الشارع، وتنسيق التدخلات بين المصالح المختصة، وإجراء تشخيص ميداني دقيق، مع إعطاء الأولوية للحالات الأكثر هشاشة والأطفال الأصغر سناً.
كما أن الأمر يتطلب تفعيل دور مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وتعزيز برامج الدعم النفسي والاجتماعي، وإعادة الأطفال إلى مسار التعليم كلما كان ذلك ممكناً، مع مواكبة أسرهم حتى لا يعود الطفل إلى الشارع بعد فترة قصيرة.
إن الرهان الحقيقي ليس إخفاء المشهد مؤقتاً قبل مناسبة رياضية أو دولية، وإنما القضاء على الأسباب التي أنتجته. فالمعالجة الموسمية قد تجعل الشوارع أكثر هدوء لبضعة أيام، لكنها لن تحل المشكلة، وقد تدفع الأطفال ببساطة إلى أماكن أخرى.
القنيطرة اليوم أمام سؤال واضح: هل سيتم التعامل مع أطفال الشوارع باعتبارهم مشكلة ينبغي إخفاؤها، أم باعتبارهم أطفالاً يحتاجون إلى حماية حقيقية ومستدامة؟










