هاشــم الخياطــي
ما إن تقترب الانتخابات حتى تستيقظ القرى فجأة في ذاكرة الأحزاب.
الدواوير التي ظلت لسنوات خارج دائرة الضوء تتحول إلى وجهة للمرشحين، والطرق المنسية تصبح موضوعاً للخطابات، والماء والصحة والتعليم والنقل والتشغيل تتحول إلى عناوين جاهزة في البرامج الانتخابية.
وكأن العالم القروي لا يعاني إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع!
هكذا يعود “قطار الوعود” إلى السكة من جديد، محملاً بالشعارات نفسها التي حفظها المواطن عن ظهر قلب: فك العزلة، تقليص الفوارق المجالية، تحسين الخدمات الصحية، إصلاح المدارس، تعبيد الطرق، توفير الماء والكهرباء، دعم الفلاحة، وتشغيل الشباب.
وعندما تنتهي الحملة وتُغلق مكاتب التصويت، يختفي كثير من هذا الكلام بالسرعة نفسها التي ظهر بها.
المفارقة المؤلمة أن بعض القرى لا تحضر في أجندة السياسيين بالقدر نفسه إلا عندما تصبح أصوات سكانها مطلوبة.
فطيلة سنوات، قد يظل طريق مهترئاً، ومدرسة في حاجة إلى إصلاح، ومركز صحي يشتغل بإمكانات محدودة، وشباب يبحث عن فرصة عمل، وأسر تكابد مشقة التنقل من أجل أبسط الخدمات.
لكن مع اقتراب الانتخابات، تتحول كل هذه الملفات إلى «أولويات عاجلة».
تكثر الزيارات، وتُلتقط الصور، وتُلقى الكلمات، وتُوزع الوعود، ويُعاد اكتشاف الدواوير وكأنها مناطق اكتُشفت للمرة الأولى.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: ماذا ستفعلون؟
بل: ماذا فعلتم عندما كانت لديكم السلطة والتمثيلية والقرار؟
الوعود التي تعرف طريقها إلى صناديق الاقتراع
المواطن القروي لم يعد بحاجة إلى قاموس انتخابي جديد. لقد حفظ المصطلحات، وسمع الوعود، وشاهد البرامج وهي تولد قبل كل استحقاق ثم تختفي بعده.
المشكلة ليست في أن السياسي يعد بالتنمية، فالتنمية حق وليست منّة.
المشكلة أن تتحول التنمية إلى عملة انتخابية، وأن يصبح احتياج المواطن مادة جاهزة لاستمالة صوته.
فالطريق ليس شعاراً انتخابياً.
والماء ليس ورقة في برنامج حزبي.
والمدرسة ليست خلفية لصورة انتخابية.
والمركز الصحي ليس وعداً يكتب على منشور.
هذه خدمات وحقوق وانتظارات يومية لا تتوقف بانتهاء الحملة.
من يحاسب من؟
الأخطر أن النقاش الانتخابي في بعض المناطق القروية قد ينزلق مرة أخرى من سؤال الحصيلة إلى سؤال الوعود.
والفرق بين الاثنين شاسع.
من السهل أن يقول المرشح: «سنبني، وسنصلح، وسنوفر، وسندعم».
لكن المواطن يحتاج إلى أرقام وتواريخ وميزانيات ومشاريع منجزة، لا إلى جمل مستقبلية مفتوحة على كل الاحتمالات.
من هنا يجب أن يكون السؤال أكثر إزعاجاً:
كم مشروعاً وعدتم به؟ كم واحداً أنجزتم؟ كم واحداً تعثر؟ ولماذا؟ وأين ذهبت الوعود التي أطلقت في الانتخابات السابقة؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح في القرى قبل أن تُطرح الشعارات فوق المنصات.
الناخب القروي ليس مجرد رقم
لقد آن الأوان للتوقف عن النظر إلى العالم القروي باعتباره مجرد خزان انتخابي.
القرية ليست رقماً في لوائح الناخبين، والدواوير ليست مجرد محطات في جولات المرشحين، وسكانها ليسوا جمهوراً موسميّاً يستقبل الوعود ثم يُطلب منه التصويت.
إنهم مواطنون لهم الحق في مدرسة جيدة، وطريق سالك، وماء وخدمات صحية ونقل وفرص اقتصادية، مثلهم مثل سكان المدن.
والعدالة المجالية لا تبدأ في اليوم الأول للحملة الانتخابية ولا تنتهي في اليوم الموالي لإعلان النتائج.
هذه المرة… المطلوب كشف الحساب
الانتخابات ليست مناسبة لبيع الأحلام، بل فرصة لمحاسبة من سبق أن تحمل مسؤولية التمثيل والتدبير.
ولهذا فإن الناخب القروي مدعو اليوم إلى أن يغير السؤال.
بدلاً من أن يسأل المرشح: ماذا ستفعل؟
فليسأل أولاً:
ماذا فعلت؟
وبدلاً من الاكتفاء ببرنامج انتخابي مليء بالمشاريع، فليُطلب كشف الحصيلة: ما الذي تحقق؟ وما الذي لم يتحقق؟ وما أسباب التعثر؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
لأن السياسي الذي لم يستطع أن يشرح حصيلة الأمس، لا ينبغي أن يحصل تلقائياً على شيك انتخابي مفتوح لمشاريع الغد.
“قطار الوعود” يعرف الطريق جيداً إلى محطته الأخيرة حيث يركن لخمس سنوات بعدها يتحرك في نفس الاتجاه .
لقد مرّ «قطار الوعود» من القرى مرات كثيرة ولم يتوقف عند حفرة ما بل بجوار صندوق زجاجي.
في كل محطة، ينزل مرشحون جدد أو قدامى، يحملون البرامج والشعارات والصور والوعود.
لكن المشكلة أن القطار غالباً ما يعرف طريقه إلى صناديق الاقتراع أكثر مما يعرف طريقه إلى المشاريع المنجزة.
والقرية التي صبرت طويلاً لا تحتاج هذه المرة إلى مزيد من الكلام.
تحتاج إلى نتائج.
تحتاج إلى مسؤول منتخب يعرف أن صوته البرلماني أو الجماعي أو الجهوي ليس تفويضاً أبدياً، وأن الصورة مع السكان ليست إنجازاً، وأن الوعد لا يعادل مشروعاً، وأن المشروع لا يعادل نتيجة.
فالقرية لا تريد أن تكون محطة انتخابية عابرة.
ولا تريد أن تُكتشف كل خمس سنوات.
ولا تريد أن تسمع «سنفعل» مرة أخرى بلا موعد ولا حساب.
هذه المرة، المطلوب أبسط من كل الشعارات:
أرونا ماذا أنجزتم… ثم تحدثوا عن ما ستفعلون.( الصورة الذكاء الاصطناعي)








