2000 درهم أو لا شيء؟ المتقاعدون يفتحون النار على وعود الأحزاب قبل ولادة الحكومة الجديدة
لم تنتظر فيدرالية المتقاعدين بالمغرب حتى تُسدل الانتخابات التشريعية ستارها، ولا حتى تتضح ملامح الأغلبية الحكومية الجديدة، لتضع ملف المتقاعدين فوق طاولة الأحزاب. الرسالة جاءت مبكرة، وبنبرة لا تخلو من التحذير: الوعود الانتخابية لا تكفي، والمتقاعدون يريدون قرارات وأرقاماً وآجالاً واضحة.
ففي الوقت الذي تتسابق فيه الأحزاب على أصوات الناخبين وتقدم برامجها الاجتماعية، اختارت فيدرالية المتقاعدين أن تدخل على الخط بسقف مطلبي مرتفع، مطالبة بزيادة عامة وفورية قدرها 2000 درهم شهرياً في المعاشات، ورفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم شهرياً، فضلاً عن تمكين الأرملة من معاش زوجها كاملاً بدل الاكتفاء بنصفه.
الفيدرالية، في بلاغ لمكتبها التنفيذي، لم تتعامل مع الوعود الانتخابية باعتبارها شيكات على بياض، بل طالبت الأحزاب التي ستشكل الحكومة المقبلة بأن تثبت أن ما تقوله في البرامج الانتخابية يمكن أن يتحول إلى قرارات حكومية وقوانين وإجراءات مالية.
وتعتبر الهيئة أن الزيادة الفورية بـ2000 درهم ليست مجرد مطلب مالي، وإنما إجراء مرتبط بالكرامة والقدرة على مواجهة أعباء المعيشة، خصوصاً بالنسبة للمتقاعدين الذين أصبحت معاشاتهم، بحسب طرح الفيدرالية، عاجزة عن مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية وارتفاع تكاليف الحياة.
ولم تتوقف المطالب عند الزيادة العامة، إذ تصر فيدرالية المتقاعدين على إلزام جميع صناديق التقاعد بألا يقل الحد الأدنى للمعاش عن 3000 درهم شهرياً، معتبرة أن ضمان حد أدنى موحد من الدخل يمثل أحد شروط العيش الكريم.
كما أعادت الفيدرالية ملف الأرامل إلى واجهة النقاش، مطالبة بأن تستفيد الأرملة من معاش التقاعد كاملاً بدل نصفه، باعتبار أن استمرار اقتطاع جزء من المعاش، وفق تصورها، يضاعف هشاشة الأسر التي فقدت المعيل الأساسي.
وفي لهجة أكثر صرامة، انتقدت الفيدرالية استمرار العمل بمقتضيات قانونية تمنع، وفق تقديرها، الرفع من المعاشات، معتبرة أن هذه القواعد لم تعد ملائمة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
وتطالب الهيئة بمراجعة هذه القوانين وإقرار تشريعات جديدة أكثر إنصافاً، بما يفتح من جديد النقاش حول أنظمة التقاعد بالمغرب، ليس فقط من زاوية قيمة المعاشات، ولكن أيضاً من زاوية العدالة بين المنخرطين واستدامة الصناديق ومصادر تمويل أي إصلاح مقبل.
المصطفى البويهي، المنسق الوطني لفيدرالية المتقاعدين بالمغرب، قال إن نضالات المتقاعدين ساهمت في فرض ملفهم داخل النقاش السياسي، مشيراً إلى أن هذه الفئة أصبحت تحظى باهتمام الأحزاب خلال الاستحقاقات الانتخابية.
وأوضح البويهي، في تصريح لجريدة «مدار21» الإلكترونية، أن اهتمام الأحزاب بأصوات المتقاعدين انعكس، بحسبه، في إدراج بعض المطالب المرتبطة بهذه الفئة ضمن البرامج الانتخابية.
لكن المنسق الوطني للفيدرالية يطرح السؤال الذي قد يكون أكثر إحراجاً من مجرد إطلاق الوعود: من سيدفع فاتورة هذه التعهدات؟ وكيف سيتم تمويلها؟ ومتى ستدخل حيز التنفيذ؟
المفارقة التي تضعها الفيدرالية أمام الأحزاب أن عدداً من الوعود الاجتماعية لا تصدر عن فاعلين سياسيين جدد على تدبير الشأن العام، وإنما عن أحزاب شاركت في الحكومات السابقة أو تحملت مسؤوليات في المؤسسات المنتخبة.
ومن هنا، يقول البويهي إن المتقاعدين أصبحوا أكثر حذراً تجاه الوعود، خصوصاً بعدما سبق أن تلقوا، بحسب تصريحه، تعهدات لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
وهذا الحذر يضع الحكومة المقبلة أمام معادلة دقيقة: فرفع المعاشات يحتاج إلى موارد مالية، وتوسيع الحقوق الاجتماعية يحتاج إلى قرارات وتشريعات، بينما تظل صناديق التقاعد مطالبة في الوقت نفسه بالحفاظ على توازناتها واستدامتها.
وتفتح الفيدرالية جبهة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بالخدمات الاجتماعية والصحية، إذ تحمل الجهات الحكومية الوصية مسؤولية ما تصفه بتدهور الوضع المعيشي للمتقاعدين، وتطالب بتمكينهم من خدمات صحية أكثر فعالية، خصوصاً ما يتعلق بتكاليف التطبيب والأدوية والعلاج.
كما تطالب بتنزيل الاتفاقيات المبرمة بين الحكومات والنقابات، وفي مقدمتها اتفاق 26 أبريل 2011، معتبرة أن ملف المتقاعدين لا يمكن اختزاله في زيادة ظرفية في المعاشات، وإنما يتطلب سياسة اجتماعية متكاملة تحمي هذه الفئة بعد عقود من العمل.
وبذلك، تدخل فيدرالية المتقاعدين مرحلة ما بعد الانتخابات وهي تحمل ملفاً واضح المعالم: 2000 درهم زيادة عامة، 3000 درهم كحد أدنى للمعاش، معاش كامل للأرملة، تغطية صحية أفضل، وتنزيل الاتفاقيات السابقة.
لكن السؤال الذي سيظل معلقاً بعد انتهاء صناديق الاقتراع ليس: ماذا قالت الأحزاب للمتقاعدين؟ بل ماذا ستفعل الحكومة الجديدة عندما تجلس أمام أرقام الميزانية والتزامات صناديق التقاعد؟
ففي السياسة، يمكن أن تكون الوعود سهلة في موسم الانتخابات، ويمكن أن تتسع البرامج لعشرات الإجراءات الاجتماعية، لكن المتقاعد لا يعيش على البرامج ولا يدفع ثمن الدواء بالشعارات. إنه ينتظر معاشاً يصل في موعده، ودخلاً يحفظ كرامته، وعلاجاً لا يحوله إلى رهينة للقدرة الشرائية.
ومن هنا، فإن ملف المتقاعدين مرشح لأن يتحول بعد الانتخابات من ورقة انتخابية إلى امتحان حقيقي للوفاء السياسي. فإما أن تجد الوعود طريقها إلى القانون والميزانية والتنفيذ، وإما أن تتحول، كما تخشى الفيدرالية، إلى فصل جديد من الوعود التي تنتهي صلاحيتها بانتهاء موسم الانتخابات.










