مستجدات

الأندلس تقطع الطريق على العربية والثقافة المغربية..

[TOUTES LES ACTUALITÉS]16 سبتمبر 2026
الأندلس تقطع الطريق على العربية والثقافة المغربية..

تلميذ في قلب صفقة سياسية بين الحزب الشعبي وفوكس

قرار سياسي يفتح جبهة جديدة مع المغرب.. برنامج تربوي يتحول إلى ورقة في صراع الهوية بإسبانيا

لم تعد اللغة العربية والثقافة المغربية مجرد مادة اختيارية داخل بعض المدارس الإسبانية، بعدما تحولت في الأندلس إلى ورقة سياسية ساخنة دفعت ثمنها برامج تعليمية استفاد منها آلاف التلاميذ على مدى سنوات. فحكومة الإقليم أعلنت أن الموسم الدراسي 2026-2027 سيكون الأخير بالنسبة لبرنامج تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية، على أن يتوقف عرضه ابتداء من 2027-2028، تنفيذاً لأحد بنود الاتفاق الحكومي بين الحزب الشعبي وحزب «فوكس».

القرار لا يتعلق بإجراء تقني عابر داخل المنظومة التعليمية، بل يأتي في سياق سياسي اختار فيه «فوكس» جعل الملف جزءاً من معركته حول الهوية والثقافة والهجرة والعلاقة مع المغرب. وقد أكد مانويل غافيرا، نائب رئيس حكومة الأندلس وزعيم «فوكس» بالإقليم، أن الحكومة لن تجدد مشاركتها في البرنامج، الذي يضم حالياً أقل بقليل من 1800 تلميذ موزعين على نحو 95 مؤسسة تعليمية.

غافيرا لم يكتف بالإعلان عن وقف البرنامج، بل استخدم خطاباً سياسياً شديد اللهجة، واعتبر أن استمرار تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية يمثل، وفق توصيفه، شكلاً من «التلقين» أو التأثير المغربي داخل المدارس الأندلسية. كما شدد على أن الاتفاق الموقع بين الحزب الشعبي و«فوكس» يتضمن التزاماً واضحاً بإنهاء البرنامج ابتداء من الموسم الدراسي 2027-2028.

لكن خلف هذا الخطاب السياسي توجد حقيقة تربوية مختلفة: الدروس اختيارية وليست جزءاً إلزامياً من المنهاج الدراسي الأندلسي، وتقدم خارج ساعات الدراسة في إطار النشاط الموجه إلى التلاميذ الراغبين في الاستفادة منها. كما تؤكد المعطيات التي أوردتها وسائل إعلام إسبانية أن المدرسين يتم اختيارهم وأداء أجورهم من الجانب المغربي، بينما تقتصر مساهمة الحكومة الأندلسية على توفير فضاءات داخل المؤسسات التعليمية.

والأكثر دلالة أن أعداد المستفيدين من البرنامج تراجعت خلال السنوات الأخيرة؛ فبعد تسجيل حوالي 3000 تلميذ خلال الموسم الدراسي 2021-2022، لم يتجاوز العدد خلال الموسم الحالي 1800 تلميذ تقريباً. وتتركز المشاركة خصوصاً في أقاليم تعرف حضوراً مهماً للجالية المغربية، وفي مقدمتها ألميريا وويلفا.

وبينما يقدم الجانب التعليمي الإسباني البرنامج باعتباره نشاطاً لغوياً وثقافياً اختيارياً، يضعه «فوكس» في خانة مختلفة تماماً. فالحزب سبق أن طالب بإنهائه، وربطه في خطاباته بقضايا الهجرة والاندماج والهوية، وهو ما يجعل المدرسة هذه المرة ساحة مباشرة لتصفية حسابات سياسية أوسع من مجرد تدبير برنامج تعليمي.

وتكشف تصريحات غافيرا أن القضية لا تنفصل عن أجندة سياسية أوسع لدى «فوكس» تجاه المغرب. فقد سبق للحزب أن جعل برنامج اللغة العربية والثقافة المغربية موضوعاً لمواقف ومبادرات سياسية، كما ربطه في خطابه بملفات الهجرة والهوية والعلاقة مع المغرب. وفي شتنبر الجاري، طرح الحزب أيضاً مبادرات داخل البرلمان الأندلسي مرتبطة بمراجعة عدد من جوانب العلاقات مع المغرب، خصوصاً في ملفات الهجرة والسيادة والتعاون الثنائي.

وفي المقابل، فإن إنهاء البرنامج في الأندلس لا يعني إلغاءه في إسبانيا بأكملها. فالمعطيات المنشورة تشير إلى أن البرنامج ذو إطار وطني، ويستمر في عدد من الأقاليم الإسبانية الأخرى، فيما تبقى اللغة العربية متاحة أيضاً عبر مدارس اللغات العمومية في الأندلس. وبالتالي، فإن القرار المرتقب سيحصر أثره في المؤسسات التعليمية التابعة للإقليم ولن يضع حداً للتعاون التعليمي والثقافي المغربي الإسباني على المستوى الوطني.

كما أن البرنامج نفسه لا يقوم على تعليم اللغة فقط، إذ ترتبط أهدافه الرسمية، بحسب المعطيات التي نقلتها وزارة التعليم الإسبانية، بالحفاظ على الصلة الثقافية للتلاميذ من أصول مغربية ببلدهم الأصلي، إلى جانب دعم اندماجهم في مجتمع الإقامة وتعزيز قيم التسامح والتضامن والتواصل بين الأسر والمؤسسات التعليمية. وهذه الأهداف هي التي تجعل الجدل حول البرنامج يتجاوز مسألة اللغة إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية التعامل مع التنوع الثقافي داخل المدرسة الإسبانية.

وهكذا، تجد 1800 تلميذ أنفسهم في قلب قرار لم يصدر بسبب تغيير بيداغوجي محض، وإنما جاء نتيجة اتفاق سياسي بين حزبين يشكلان حكومة الأندلس. فالمادة التعليمية التي كانت تقدم في عدد من المدارس باعتبارها نشاطاً اختيارياً تحولت إلى عنوان لمعركة سياسية حول الهوية والهجرة والعلاقة مع المغرب.

واللافت أن القرار يأتي في لحظة لا تبدو فيها العلاقات المغربية الإسبانية محكومة بمنطق القطيعة الشاملة، بل تعرف تعاوناً واسعاً في ملفات متعددة. لذلك فإن تحويل برنامج تعليمي محدود العدد إلى رمز سياسي يطرح سؤالاً أكبر: هل يتعلق الأمر فعلاً بإعادة تنظيم المدرسة الأندلسية، أم أن التعليم أصبح إحدى ساحات الصراع السياسي حول المغرب والهجرة والهوية؟

المؤكد أن الأندلس اختارت أن تجعل من البرنامج ورقة في اتفاقها الحكومي مع «فوكس»، وأن الموسم الدراسي المقبل سيكون آخر محطة له داخل الإقليم وفق القرار المعلن. أما الرسالة السياسية التي يحملها هذا القرار، فتتجاوز حدود فصل دراسي ومدرسة وتلميذ، لتلامس مباشرة ملفاً أكثر حساسية: كيف يمكن للتعاون الثقافي والتربوي بين بلدين أن يصمد عندما تتحول اللغة والثقافة إلى أدوات في معارك الهوية والسياسة الداخلية؟

وفي نهاية المطاف، لا يبدو أن المعركة الحقيقية تدور حول عدد التلاميذ المستفيدين من دروس العربية، بقدر ما تدور حول من يملك حق تحديد موقع الثقافة المغربية والعربية داخل الفضاء العام الإسباني. وبين اتفاق حكومي يريد «فوكس» تنفيذه، ومنظومة تعاون تربوي عمرها عقود، وجالية مغربية تشكل جزءاً من النسيج الاجتماعي الإسباني، أصبح برنامج مدرسي محدود الحجم مرآة لصراع سياسي أكبر بكثير من حجمه التعليمي.

 

الاخبار العاجلة